تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
فإن قال : فكيف يجوز ، في شريعته ، أن تكون مختلفة في باب الأداء ، على ما تذهبون إليه في مسائل الاجتهاد ؟ قيل له : سنبين أنه لا يمتنع أن تكون مصالح العباد تختلف في باب كثير من العبادات ، فيكون صلاحا إذا فعله ، تابعا لغالب الظن وتابعا لاجتهاد مخصوص قد بيّن له ؛ ويكون الصلاح في بعضهم خلافه ؛ ويكون الصلاح فيمن ليس له آلة الاجتهاد أن يعمل على ما يفتيه بعضهم ، ولا يكون ذلك متضادا ؛ لأن الفاعلين ، إذا تغايروا ، فأفعالهم « 1 » ، وإن كانت مختلفة ، فهي غير متنافية ، كما لا يتنافى في الجماعة ، إذا عميت القبلة عليها ، أن تجتهد ، وتصلى إلى جهات مختلفة في حالة واحدة . فإذا صحّ ذلك كان موقوفا على الدلالة . والعقل لا يمنع من ذلك . والشرع قد ورد به . فلا وجه للمنع من ذلك . وإنما الممتنع منه ما يقوله القوم من أن الحق في واحد ، وما خالفه خطأ ، ولا يتميز الحق من الباطل بدليل معلوم [ يثق به « 2 » ] المكلف ، وأنه يلزم التوقف والشك في هل أصاب أو أخطأ ، ولا طريق [ له ] إلى معرفة أحدهما ، ولا إلى أنه [ قد أدّى ] « 3 » ما كلّف إلى سائر ما نبينه من بعد . فهذا هو الممتنع ، عقلا ، الداخل في تكليف ما لا يطاق ، دون الّذي نقول . فيجب ألا يصحّ من رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، الأداء على الوجه الّذي يقوله القوم . وأما على الحد الّذي نقوله فهو الّذي لا يسوغ غيره على الوجه الّذي ترتيب الشرع عليه . وهذه جملة كافية فيما يتصل بأداء الرسول وكيفيته ، وما ينفّر عنه ، وما لا ينفرّ .
هامش
( 1 ) في « ب » : بأفعالهم . ( 2 ) سقطت هاتان الكلمتان من « ب » . ( 3 ) في « ب » : « فرادى » .