فصل في أن الكبائر لا تجوز على الأنبياء عليهم السلام في حال النبوة
قد سلك شيخنا « أبو هاشم » رحمه اللّه في ذلك طريقتين :
إحداهما : أن العلم يقتضي المنع من ذلك .
والأخرى : إنما يمنع منه لما فيه من التنفير .
وعلى الوجه الأول ، لا يكاد يعرف بالعلم أنه رسول إلا مع العلم بأنه نبي .
وعلى الوجه الثاني ، قد يجوز أن يعلم رسولا ، ثم يعرف أنه نبىّ رفيع مستحق للثواب .
فأما مضرة الطريق الأولى فلأن العقل يدل على أنه تعالى إذا كان إنما يبعث الرسول لتعريف المصالح ، ويظهر عليه العلم لإيجاب القبول منه ، فلا بد من أن يكون معظما في الصدور مستحقّا للرفعة ، وإلا لم يحسن في الحكمة ، أن يبعث . فصار تقدم هذه المعرفة يقتضي أنه ، إذا ظهر عليه العلم ، فلا بدّ من استحقاقه التعظيم والتبجيل ، وأن يكون منزّها عن الاستخفاف والإهانة .
يبين ذلك أنّ في إيجابه تعالى القبول منه ، والرجوع إليه ، إيجابا للتعظيم ؛ لأن ذلك ضرب من التعظيم ؛ فلا يجوز أن يكون مستحقا للاستخفاف ، وهذه حاله .
وبعد ، فإن الغرض بإظهار المعجز هو كونه صادقا فيما يؤديه من الرسالة ، وإن كان صريحه يدل على أنه صادق في أنه رسول . ولو جوّزنا عليه الكبائر لجوّزنا أن يكذب فيما يؤديه ، ويغيره ، ويبدّله ؛ وهذا يقدح في دلالة العلم على ما يدلّ عليه .
فإن قال : إن العلم إنما يدل على أنه صادق فيما يدعيه من الرسالة . ثم الكلام في أن يؤديه ، أم لا ، موقوف على دليل آخر .