إلى الناس كافة ؛ لأنه إذا بلّغ أهل لغته ، وبيّن لهم ، وكان ، في المعلوم ، أنهم يؤدون إلى أهل سائر اللغات ، فقد أزاح العلة في الإبلاغ والأداء . فليس في فقد معرفته بذلك تنفير ، ولا أمر يقدح في الأداء على وجه .
فإن قال : أفيجب عليه ، في الإبلاغ ، أن يكرّر ، إذا غلب على ظنه أن ذلك إلى القبول « 1 » أقرب ؟
قيل له : إنه يجب أن يعمل في الإبلاغ حسب ما تعبّد « 2 » به ، لأنه لا يجوز أن يكون بعض وجوه الإبلاغ أقرب إلى القبول من بعض ولا يبين ذلك ؛ لأنه يجرى مجرى منع اللطف في هذا الباب . فمتى علم أن تكراره أقرب إلى القبول فلا بدّ من أن يلزم ذلك ، ولا يجوز ألّا يفعله ، كما لا يجوز أن يفعل الأداء في الأصل .
وعلى هذا الوجه ، جنّب اللّه تعالى نبيّه الفظاظة إلى ما شاكلها ؛ لأنها ربّما نفّرت « 3 » ؛ وهذا في باب كيفية الأداء أقرب وأولى .
وعلى هذا الوجه ، يجب أن يعتبر ، في باب الأداء ، من غاب عنه ، كما يعتبر المشاهد ومن يحصل من أمته بعد موته ، كما يعتبر الكائن في وقته . فلذلك جوّزنا أن تختلف المصالح في هذا الباب ؛ فيكون الأداء إلى البعض ، على وجه يوجب العلم ، هو الصلاح ؛ وفي بعضهم على وجه يوجب العمل . ولذلك صحّ ، في تعبّد كثير من الصحابة ، أن يكون علما على طريق المشاهدة ، وفي تعبّد غيرهم أن يكون عملا .
فإن قال : أفيلزم الرسول أن يعرف من بعث إليه ، فيتميزوا عنده ممن لم يبعث إليهم ؟
قيل : لا بدّ من ذلك ؛ لأنه يخصّهم بالدعاء إلى قبول شريعته والتزامها والعمل بها ، ولا يجوز أن يدعو غيرهم . وكذلك فلا يجوز أن يترك دعاء من يجب أن يدعوه . وهذا يقتضي وقوع التمييز .
فإن قال : هلّا قلتم إن ظهور المعجز عليه يقتضي كونه نبيّا إلى كل أحد ؟
هامش
( 1 ) في « ب » : « القول » .
( 2 ) في « ب » : « يعتد » .
( 3 ) في « ب » : « تقرب » .