فقد المعرفة بذلك ينفرّ لوجب ، في ابتداء ما بعث ، ولم يحمّل كل الشرائع ، أن يكون غير مجنّب لما فيه تنفير ؛ ؛ وهذا فاسد من القول .
فإن قال : أفليس قد قلتم : إن موسى ، عليه السلام ، كان لا يعرف أن الرؤية لا تجوز على اللّه تعالى ، فلذلك سأل ، وهذا جهل فيما يتصل بالتوحيد ؟
قيل له : إن شيخنا « أبا على [ ذكر ] « 1 » ذلك ، على طريق الحكاية ، وامتنع من أن يقول به ، واختار ، في الجواب عن الآية ، أنه عليه السلام سأل المعرفة الضرورية ، أو سأل الرؤية لقومه ، على ما فصلنا « من قبل ؛ فلا يلزم ما ذكرته .
فإن قال : أفليس قد جوّز ألّا يعرف أن العلم الضروري بالتوحيد والعدل لا يصح مع التكليف ، ولذلك سأل المعرفة الضرورية ؟ فإذا جاز ألّا يعرف ذلك ، ويجهله ، فهلّا جاز مثله في الرؤية ، وألّا يكون ذلك تنفيرا ، أو إن كان أحدهما تنفيرا ، فكذلك الآخر ؟
قيل له : إن جواز الرؤية كلام فيما يجوز على اللّه وما لا يجوز ؛ وذلك مما لا يجوز على الأنبياء الجهل « 2 » به ؛ لأن في الجهل به خروجا عن أن تكون معرفتهم باللّه تعالى متكاملة . وليس كذلك حال المعرفة الضرورية ؛ لأن الجهل بما يحسن ، مع التكليف ، أو لا يحسن ، يجرى مجرى الجهل بحال بعض الأفعال ووجه قبحها أو حسنها . فإذا كان العلم ، في الجملة ، بأنه تعالى لا يفعل إلا الحسن قد تقدم ، لم يقدح ذلك في النبوة . وهذا إنما يجب إذا « 3 » صححنا هذا الجواب . فأما إذا نصرنا أنه ، عليه السلام ، إنما سأل الرؤية لقومه فالكلام زائل « 4 »
فإن قال : ما أنكرتم أن الجهل بشيء من الديانات على الأنبياء ينفّر ، فيجب ألا يجوز عليهم .
قيل له : إنما جوّزنا ألا يعرفوا هذه الأمور مفصّلة . فأما الجهل بها فإنّا لم نجزه .
هامش
( 1 ) موجودة في هامش « ا » .
( 2 ) في « ب » : « والجهل » .
( 3 ) في « ب » : « وإذا » .
( 4 ) في « ب » : « زائد » .