وبعد ، فقد صحّ أنه ، صلى اللّه عليه ، قد كان يظن الأمور المتعلقة بالدنيا ؛ لأنه لم يكن عالما بها أجمع ، على ما ثبت عنه ، صلى اللّه عليه . ولا يوجب ذلك أن يجوز أن يخبر عنه : فكذلك القول فيما يعتقده ، مما يتصل بالدين ، على طريق التأويل . فلو منع هذا السؤال من الاعتقاد الّذي ذكرناه لمنع « 1 » من الظن الّذي عارضنا به .
فإن قال : أفيجوز عليه ، صلى اللّه عليه ، أن يأمر بالقبيح وينهى عن الحسن ، أو تمنعون ذاك ، كما منعتم من الكذب ؟
قيل له : أما فيما يؤديه عن اللّه ، عز وجل ، فلا شك في أن حالهما كحال الكذب ؛ فهو منزه ، عليه السلام ، عن ذلك . وكذلك القول في إباحة المحظور ، أو حظر المباح ، إلى ما شاكل ذلك .
فأما فيما لا يؤدى عن اللّه تعالى فالأقرب ألّا يجوز عليه كالكذب ؛ لأنا قد تعبّدنا في أوامره ونواهيه بأن نعتقدها دلالة ، كما تعبّدنا بمثل ذلك في الخبر ، ولأنّ معنى الأمر معنى الخبر ؛ لأنه لا فرق بين أن يريده بالأمر ، وبين أن يقول : إني مريد له .
فإن قال : ألستم تجوّزون عليه إرادة القبيح ؛ لأنكم إذا جوّزتم عليه صغائر المعاصي ، على بعض الوجوه - ولا بدّ من أن يريدها - فيجب تجويز إرادة القبيح عليه ؟
قيل له : إنّا لا نمتنع من ذلك .
فإن قال : إذا جوّزتم ذلك عليه ، فجوّزوا أن يأمر بالقبيح ؛ لأن الأمر بالقبيح ليس بأزيد من إرادة القبيح .
قيل له : قد بيّنا أن أمره دلالة ؛ وليس كذلك الحال في إرادته المعصية في نفسه ؛ لأن ذلك لا يكون دلالة . فلذلك فرّقنا بين الأمرين . ولو قال قائل إن أمره ، صلّى اللّه عليه وسلم ، إذا كان فيما يتصل بأمور الدنيا ، لا يمتنع أن يقع فيه الخطأ لم يمتنع ؛ لأنه ، إذا كان كذلك ، خرج من أن يكون دلالة . وهذا كأمره بالأكل والشرب ، أو أمره الغير بالشيء على طريق الشفاعة .
هامش
( 1 ) في « ب » : « يمنع » .