فإن أردت بالجهل فقد المعرفة ، فلا بدّ من تجويزه على الأنبياء ؛ لأن معرفتهم ، لو أحاطت بكل شيء ، لعلموا الغيوب ، ولكانوا بمنزلة العالم لنفسه « 1 » ، وإن أردت بالجهل اعتقاد الشيء على ما ليس به فذلك لا يصح عليهم في المذاهب التي يعظم فيها الاختلاف والتباين ؛ وإنما يجوز ذلك في بعض التعبّد لنا . وذلك مخصوص ، كما قاله شيخنا في معصية آدم ، عليه السلام ، لما اعتقد أن التحريم متعلق بالعين ، لا بالجنس . وقد كان تعالى علّقه بالجنس لا بالعين ، على ما نبينه من بعد .
فإن قال : أفليس ، إذا جاز عليه الجهل ، على بعض الوجوه ، فقد يجوز أن يخبر عما اعتقد ابتداء ، أو بأن يجيب السائل والمستفهم ؛ وهذا يؤدى إلى التنفير .
قيل له : ليس يجب ، إذا جوّزنا عليه الاعتقاد ، أن نجوّز عليه الإخبار ، كما لا يجب في العلم ، إذا جوّزناه عليه أو أوجبناه له ، أن نجوّز له أن الخبر عن المعلوم قد يكون عبثا وقبيحا ، وإن كان صدقا . فكما قد نمنع من ذلك فيما يعلمه « 2 » ، فكذلك نمنع من الخبر فيما يعتقده على طريقة التأويل . فلا يجب ، من حيث اعتقد ، على هذا الحد ، أن نجوّز أن يخبر عنه . ولا فرق بين من ألزم ذلك وبين من قال : إن كان صلى اللّه عليه يقدر على الكذب فيجب أن يجوز أن يفعله ؛ لأن ، مع الاعتقاد ، قد يجوز أن يفعل ، ولا يفعل ، كما أن ، مع القدرة عليه ، قد يجوز ذلك .
فإن قال : إنه إذا اعتقد ذلك ظن أنه عالم به ، فيدعوه الداعي إلى الإخبار عنه .
فمن هذا الوجه يلزم ما سألنا عنه .
قيل له : ليس الأمر كما قدّرته ، لأن اعتقاد الشيء لا يدعو إلى الخبر عنه / ؛ بل لا بدّ ، في الخبر ، من داع زائد . فكيف يلزم ما ذكرته ؟
وبعد ، فلو كان ذلك داعيا لكان لا يمتنع منه تعالى أن يصرفه « 3 » على فعله ، ويشغله بضرب من الشواغل ؛ فلا يقع الخبر منه . وفي ذلك إبطال ما سألت عنه .
هامش
( 1 ) معناه اللّه سبحانه .
( 2 ) في « ب » : « فعله » .
( 3 ) في « ب » : « يصرف » .