فأما إذا جعل أمره على طريق الإيجاب فذلك « 1 » لا يتأتى فيه ؛ ويجب أن يكون الجواب ما قدّمناه .
فإن قال : فإذا « 2 » أمر ، صلى اللّه عليه ، بالشيء ، ثم نهى في المستقبل عنه ، أليس يقع بذلك إيهام وتنفير ؟ فيجب أن يمنعوا من جواز النسخ « 3 » في قوله وفعله ، وإلا فإن جاز ذلك ، ولم يكن تنفيرا ، فهلّا جاز مثله في الكذب وغيره ؟
قيل له : إن من عرف صدقه ، صلى اللّه عليه ، بما ظهر من الأعلام المعجزة ، يعلم أنه حمّل الرسالة ، لما فيه للمبعوث « 4 » إليه من المصلحة ؛ ويعلم ، بعقله ، أن المصالح ، كما قد تتفق وتستمر ، فكذلك قد تختلف في الأوقات . فلا بدّ من أن يتقرر ، في عقله ، جواز النسخ ، كما يتقرر ، في عقله ، جواز إدامة التكليف . فما يرد عليه من جهته ، صلى اللّه عليه ، من نهى بعد أمر ، على طريق النسخ ، لا يخالف ما تقرر ، في عقله ؛ بل يطابقه ، كما إذا ورد عليه التأكيد والإدامة كان مطابقا له في عقله . فكيف يجوز أن يقال في ذلك : إنه ينفّر ، أو إنه يقدح في صحة الأداء ، وإنه منهم .
ولهذه الجملة ، أبطلنا قول من اعتلّ في أن السنة لا تنسخ القرآن ، بمثل هذه الطريقة ، وقلنا إنه متى جوّز عليه الافتراء في مثله جوّز عليه فيما يبتدئه ، وأبطلنا تعلقهم بقوله تعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
« 5 » ، وبينّا أنه تعالى إنما أراد بذلك أن يبيّن أن نبيّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، لا يبدّل إلا عن اللّه تعالى ، لا من تلقاء نفسه .
/ ولهذه الجملة ، أبطلنا استدلال بعض الشافعية بما روى عنه ، صلى اللّه عليه ، أنه قال : « واللّه لأزيدن على السبعين » عند نزول قوله ، [ عز وجل « 6 » ] :
« إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ »
« 7 » ، بأن قلنا : إنه ، صلى اللّه عليه ، لا يجوز أن [ يجترئ ] « 8 » ويحلف عليه إلا ويفعل ؛ ولو فعل لوقعت الإجابة ، إن كان فعله
هامش
( 1 ) في « ب » : « وذلك » .
( 2 ) في « ب » : « وإذا » .
( 3 ) في « ب » : « الفسخ » .
( 4 ) في « ب » : « المبعوث » .
( 5 ) سورة النمل آية 101
( 6 ) في « ب » : « صلى اللّه عليه »
( 7 ) سورة التوبة ، آية 80
( 8 ) في « ا » مشتبهة وفي « ب » غير منقوطة