الأصل اجتهادا ، ثم يصير بإيجاب الاتّباع يقينا . وقد يجوز أن يكون الصلاح ألّا يكلّف ذلك ، ويكون جميع ما يؤديه وحيا ونصا . ولذلك اختلف الفقهاء في هذا الباب ، ولم يعدّ الخلاف فيه كالخلاف في تجويز الكذب والكبيرة « 1 » على الأنبياء ، صلى اللّه عليهم .
فإن قال : أفتجوّزون أن يفوض اللّه تعالى الأحكام حتى يبينها من غير وحى وتنزيل ، من حيث نعلم ، أنه ، صلى اللّه عليه ، موفّق معصوم لا يخطئ فيما يأمر به ويخبر به ؟
قيل له : إن ذلك لا يجوز . وقد بيّنا فساد ذلك في « أصول الفقه » ، من حيث يحل محل أن يكلّف [ الكتابة ] « 2 » ولا علم ، أو الإخبار عن الغيوب ولا معرفة . وهذا غير ممكن في العقل .
فإن قال : أفتقولون : إنه صلى اللّه عليه ، يجب أن يكون عالما بالغيوب ، وبجميع ما يحدث من الأحكام وغيرها ؟
قيل له : لا يجب ذلك فيه . فقد ثبت عنه ، صلى اللّه عليه ، ما يدلّ على أنه كان لا يعرف المحقّ من الخصمين ، ولا فرق بين من أوجب ذلك وبين من أوجب أن يعرف كل الصناعات والتجارات لدخولها في أسباب الأحكام من تقويم وأرش « 3 » وغيرهما .
فإن قال : أفتقولون : إنه ، صلى اللّه عليه ، يجب أن يكون عالما بسائر ما يعرفه المتكلّمون والفقهاء من الأصول والفروع ؟ فإن جوّزتم ألا يعلم ذلك ففيه تنفير ؛ وإن أوجبتموه ، ولم يتبين ذلك ، مع الحاجة إلى بيانه ، ففيه تنفير .
قيل له : إنّا لا نوجب أن يعرف من ذلك إلا ما يحتاج إليه في معرفة التوحيد والعدل ، وما يتصل بهما ، فما يجوز على اللّه تعالى وما لا يجوز وكذلك فلا يجب أن يعرف في الفقه كل فرع فرّعه الفقهاء على التفصيل ؛ وإنما يجب أن يكون عارفا بأصله وجهته . ولو كان /
هامش
( 1 ) في « ا » ، « ب » : « الكبير »
( 2 ) موجودة في هامش « ا »
( 3 ) الأرش : من معانيه العيب ، والخدش ، والرشوة ، وما يدفع بين السلامة والعيب في السلعة .