وعلى كل حال ، فلا يجوز أن يكون ذلك سببا لامتناع الأداء ؛ لأن ذلك في الحكمة لا يصحّ ، مع كونه لطفا للأمة .
فإن قال : أفليس قد يتشاغل وينام في حال يلزمه الأداء فيها ، فيجب أن تمنعوا « 1 » من جواز ذلك عليه ؟
قيل له : كذلك نقول ، وإنما نجوّز أن يسهو وينام ، في غير هذه الحال .
فإن قيل : فيجب أن تجوّزوا عليه الكذب وغيره ، فيما لا يؤدى عن اللّه تعالى ، [ إن كانت العلة في امتناع ذلك ما ذكرتم ] « 2 » .
قيل له : [ إن الّذي بيّناه يدل على أنه لا يجوز عليه ، فيما يؤدى عن اللّه تعالى ] « 3 » وما لا يؤدى عن اللّه ، وإن كانت هذه العلة غير موجودة فيه ، ففيه غيرها من العلل والأدلة وقد ثبت حكمان مثلان بدليلين مختلفين .
وقد استدل شيوخنا ، في ذلك ، بأنه مما ينفّر عنه ، لأن من حقّ الكذب أن يكون منفّرا في باب الأخبار . وإنما نصب الرسول للخبر وما يجرى مجراه ، فلا يجوز ما ينفّر عن ذلك . ومن أقوى ما ينفّر عنه الكذب ، لأن المتعالم من حال من يجوز عليه الكذب انصراف النفس عن السكون إلى خبره .
فأمّا فيما لا يؤدى عن اللّه تعالى فالكتمان جائز ، لأنه ربما يكون الكتمان فيه أولى من الإعلان . فهو موقوف على الدلالة .
ولذلك جوّز شيوخنا ، فيما لا يؤدى عن اللّه تعالى ، التعمية ، لأن دخول التعمية فيه ليس بأكثر من عدمه ، فلا تنفير إذا في ذلك . ولهذا كان ، صلى اللّه عليه وسلم ، إذا أراد سفرا أورى بغيره في وقت ، وربما كان يستعمل ذلك في الحروب ومواضع الحاجة .
هامش
( 1 ) في « ا » ، « ب » : « يمتنعوا » والأنسب « تمنعوا » ، كما يوجبه سياق السؤال والجواب .
( 2 ) ما بين المعقوفتين قد تكرر مع اضطراب في السياق في « ب » ، إذ سيذكرها مرة أخرى في أثناء الجواب الّذي يلي ذلك مباشرة .
( 3 ) ما بين المعقوفتين قد تكرر مع اضطراب في السياق أيضا في « ب » إذا سيذكرها مرة أخرى بعد الجملة السابقة التي كررها من قبل .