من قبل فإنما لا يجوز عليه لما فيه من التنفير ، لا لأنه يؤثر في الأداء لأن المتعالم « 1 » من حاله أنه ، في حال الأداء ، لا يعمى ، ويكشف مراده . فلا يمكن أن يقال ، فيما تقدم ، إنه يقدح في الأداء . وليس ذلك بمنزلة ما قدّمناه في الكذب ؛ لأنه ، متى جوّز عليه أن يكذب أولا ، جوّزه ثانيا ؛ لأن الطريقة واحدة . وليس كذلك حال التعمية ؛ لأن الفعل نفسه قد يحسن ، ولا يكون كذبا ، وإنما يعرف قصده في إحدى الحالتين دون الأخرى ، ولأن مفارقة التعمية لغيرها طريقة الاضطرار ، ومفارقة الكذب لغيره طريقة الاستدلال . فيصير تجويز ذلك في الكذب قدحا في حاله ، ولا يكون مثله قدحا في التعمية .
وهذا كما نقوله : إنه تعالى لو عمىّ ، في بعض كلامه ، لم يؤثر بشيء من خطابه ؛ لأن طريقة معرفة مراده بخطابه الاستدلال ، وهو طريق واحد . وليس كذلك حال الواحد منا ؛ لأنه ، إذا عمىّ ، في حال ، فهو ممن يعرف قصده في حال أخرى .
فإن قال : إذا جوّزتم ، بعد الأداء ، عليه السهو والخطأ ، على ما ذكرتم ، فجوّزوا ، إذا أدّى الشريعة بكمالها أن يخرج من أن يكون نبيّا ، فيصير معزولا مصروفا .
قيل له : إن المعجز قد دلّ ، من حاله ، على أنّ قوله حجة فيما يتكلم به ، في أىّ حال كان ؛ لأنه لم يدل على ذلك مؤقتا ، بل دل عليه مطلقا ، فلا يجوز ، في حال من الأحوال ، أن يخرج قوله من أن يكون حجة ! وفي ذلك إبطال ما سأل عنه . وإنما يفارق ، وقد أدى ، لحاله « 2 » قبل الأداء ؛ لأنه في إحدى الحالتين يلزمه الأداء ، ويكون أداؤه حجة ، وفي الحالة الأخرى لا يلزمه ، ويكون الأداء تأكيدا . وقد يجوز في التأكيد أن يكون حجة ؛ لأن من ينفيها عن الأول يكون قوله الثاني حجة .
وهذا يبين أن حالة النبي لا تتغير في هذا الوجه . ولذلك لا يجوز فيه أن يخرج عن كمال العقل ؛ لأنه يقدح في هذه الطريقة من حاله .
فأما ما يعتريه من النوم ، وما شاكله ، فهو معتاد لا يؤثر في هذا الباب .
هامش
( 1 ) في « ب » : « المتعلم »
( 2 ) هكذا في « ا » ، « ب » والأنسب « حالة » .