تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
الأفعال ، وكيف يدل العقل على أن الصلاة بلا طهارة لا تكون عبادة ، ومع الطهارة تكون عبادة ، وحال الخضوع فيها وبها لا تتغير ؛ وأن صوم يوم النحر لا يكون عبادة ، وقبله يكون عبادة ؛ وأن أداء الزكاة ، على طريق الوجوب ، قبل الحول لا يكون عبادة ، وبعده يكون عبادة ؛ وأن الواجب أن تؤدى إلى واحد دون الآخر ؟ وذلك يبيّن « 1 » أنه لا مجال للعقليات فيه على وجه من الوجوه . فإن قال : إن بالعقل نعرف هذه العبادات ، وإن كنا نحتاج إلى السمع في شروطها . قيل له : فقد وجب ، على كل حال ، بعثة الرسل ؛ لأنه لا فرق بين أن يحتاج إليها في الشروط التي لا تتم العبادات إلا بها ، أو في نفس العبادات ، وإن كنا قد بيّنا أن الحال فيهما واحدة . وقد ثبت أنه ليس كل خضوع وتذلل يحسن ، أو يجب ، بل فيه ما يقبح . فلا بد من أن يعتبر في ذلك تقدم العلم بذلك الفعل ، ثم يصير إيقاعه ، على هذا الوجه ، شرطا في وجوبه ، أو في استحقاق الثواب عليه . ولسنا ممن يقول بوجوب العبادة لأجل النعم المتقدمة ؛ وإنما نقول بوجوبها ، إذا كانت شاقة ، على طريقة التعريض . وإذا صح ذلك فالمعرض للثواب بهذه الأفعال إنما يحسن أن يلزم ، [ إذا كان ] « 2 » كذلك ، الفعل للوجه الّذي يحسن عليه الإلزام ؛ لأنا قد بيّنا ، في « باب المعارف » ، أن الحكيم لا يجوز أن يوجب ما لا مدخل له في كونه واجبا ؛ لأن ذلك يجرى مجرى الكذب . فأما علمنا بأنه تعالى يلطف ، ويكلف ، فإنما يحصل بالدليل العقلي ، لمّا ثبت من حاله تعالى أنه حكيم لا يجوز أن يفعل قبيحا ، أو يخل بواجب ؛ وعلمنا أن تكليف ما لا يطاق يقبح ، وأن التكليف وإلزام الشاق من دون تعريض الثواب يقبح ، وأنه لا بدّ من أن يلطف ، فيزيح العلة ، فلذلك حكمنا بأنه تعالى يثيب المطيع ويلطف ، للمكلّف ، فيمكّنه . وليس كذلك حال المكلفين ، لأنّا لا نعلم من
هامش
( 1 ) في « ا » : « بين من » ( 2 ) سقطت من « ب »
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 28 | القاضي عبد الجبار الهمذاني