الأفعال . وهذا الضرب من التفصيل لا يصح فيما يعلم باضطرار .
وبعد ، فلا فرق بين من قال ذلك ، وبين من قال في سائر المعارف إنها ضرورية ، وجعل التكليف متناولا للأفعال ، دون العلوم . وقد بيّنا فساد هذا القول .
فصل في أنه لا يجوز أن تعرف أحوال المصالح السمعية باستدلال عقلي
فإن قال : ومن أين أنه لا يصح أن تعلم أحوال هذه الأفعال باستدلال عقلي ؟
أوليس قد يعلم أحدنا ، باستدلال ، أنه تعالى ، إذا أطاع العبد أثابه ، وإذا كلفه لطف له ، وأنه ، إن بقي على صفة المكلّف ، فلا بدّ من وجوب العقليات عليه ، عند حصول أسبابها ؛ ويعلم أن من حق الكذب أن يكون قبيحا ، والصدق أن يصح أن يكون حسنا ؛ فإذا « 1 » كان فيه نفع ، أو دفع ضرر ، مع انتفاء وجوه القبح عنه ، كان حسنا ، وربما كان واجبا ؛ وأن العبد ، إذا قويت دواعيه ، فعل الفعل لا محالة ، وربما صار ملجأ إلى ذلك ؟ أو لستم قد علمتم أن كون المعرفة باللّه تعالى ، وبأنه يستحق الثواب على طاعته والعقاب على معاصيه ، لطفا في العقليات ، يعلم باستدلال عقلي ؟ فهلا جاز أن يعرف سائر المصالح باستدلال عقلي على هذه الطريقة ، فيستغنى عن بعثة الرسل ؛ لأنكم إنما حكمتم بحسنها ووجوبها ، من حيث بها تعلم هذه المصالح ، فإذا علمت دونها ، على ما ألزمناكم ، فلا وجه للبعثة ؟
قيل له : إن ما يدل عليه العقل هو ما فيه استدلال عقلي معلوم . فأما ما ليس هذا حاله فلا دليل في العقل عليه . والعلم بأن هذه الأفعال ألطاف ومصالح يجرى مجرى العلم بالغيب ، وما سيقع من المكلف وما لا يقع ، وما يقوّى دواعيه ، وما لا يقوّى ؛ وذلك لا يتأتى فيه الدليل العقلي ، كما لا يتأتى في سائر تصرف العبد . ألا ترى أن الدليل إنما
هامش
( 1 ) في « ب » : « وإذا »