وكيف يجوز أن يغتر المغتر بهذه الأخبار ، وربما شك في الضروريات والأخبار المتواترة ؟ وذلك يدل من أمرهم على أنها مبنية على الشهوة والهوى .
فأما ما حكى عنهم أنهم يمشون على الماء فذلك غير صحيح ، لكنه لا يمتنع أن يعرفوا موضعا مخصوصا يختص بالسراب من بعد ، ويظهر ذلك فيه ظهورا بيّنا . فإذا تعمدوا بالمغترّ ، وقربوه من ذلك المكان ، ثم فارقوه ، ومشوا في الموضع ، عاد ، وحكى أنه رآهم يمشون في الماء .
وقد قيل إنه لا يمتنع في بعض الخشب أن يختص بخفة وخلل . فإذا عمل منه على هيئة النّعل البسيط ، وألزق بالرجل أمكن ، على بعض الوجوه ، المشي على بعض المياه .
فأما ما حكى عنهم أنهم كانوا ، يمشون على النار فالوجه في هذا بيّن . وقد شاهدنا من يعمل ذلك ، بأن يأخذ الطلق « 1 » فيحله ويطلى به رجله ، فعند ذلك إذا وطئ على النار وطئا شديدا ، ومنع الهواء من أن يدخل بينه وبين النار خفّ ضرره ويتحمل الكلفة ، ويمشى على النار . وقد قيل إن الزبد اللطيف الّذي للنار ، إذا ظهر ، وكانت النار جمرا كبارا فالماشى ، إذا مشى عليه ، بسرعة وعلى شدة ، لم يلحقه كثير ضرر .
فإذا اعتاد ذلك ربما عمله .
وقد حكى لنا « أبو الحسن بن الأزرق » وكان من مشايخ أصحاب « أبى هاشم » رحمه اللّه ، [ عن رجل ] يقال له أبو الأديان ، فيما أظن ، دخل الأنبار وهو مقيم بها ، وأظهر في جامعها أنه يعمد إلى الزيت المغلى « 2 » الشديد الغليان ، فيخرج منه ما يطرح فيه من سبحات الذهب والفضة ؛ وأنه ادعى أنه يصبّه على يديه ، فاغتر الناس به شديدا ،
هامش
( 1 ) الطلق : دواء إذا طلى به منع حرق النار ، والمشهور فيه سكون اللام أو هو لحن معرب « تلك » وهو حجر براق يتشظى إذا دق صفائح وشظايا . . . وأجوده اليماني ثم الهندي ثم الأندلسي . والحيلة في حله أن يجعل في خرقة مع حصوات ويدخل في الماء الفاتر ثم يحرك برفق ، حتى ينحل ، ويخرج من الخرقة في الماء ، ثم يصفى عنه الماء ويشمس ليجف .
( 2 ) في « ا » : « المغلا » .