فأما ما حكى أنه كان يطير فالوجه في ذلك أن يعمل لنفسه جناحا من خشب مخصوص ، ويجعل ريشه من الحرير الصيني / كالشقاشق وتلصق عليه ، ويشد ذلك بالإبريسم محكما حتى لا ينحل « 1 » ، ويلبس من الحرير الصيني قميصا واسعا يمتلئ بالريح ، ويخرق أسافله خرقا شديدا ، ويشد « 2 » الجناحين تحت يديه . فإذا قام على موضع شاخص من الأرض ، ويوم ريح ، ورمى بنفسه طار بعض الطيران ويكون قد جرّب ذلك ، أوقات الخلوة ، وعرف كيف يكسر الجناحين ، ومتى يرفع ويخفض .
وقد حكى أن ، في الجواري اللاتي يضربن بالطبول ، من يفعل ذلك ، وهو في الهواء ، على طريقتين في الضرب واللعب .
وعلى هذا الوجه ، يحمل ما حكى عنه أنه كان يقف ساعة في الهواء ، لأن من حق الطائر أن يطير إذا كسر جناحه أو صيّره في حكم المنكسر ؛ ومتى بسطه على الهواء صحّ أن يقف بعض الوقوف . فعلى هذه الطريقة كان يعمل هذه الحيلة .
ومن سبيلك أن تعلم أن الأمور الخارجة عن العادة يزاد « 3 » في نعتها ، لأنّ في الطباع استعظام سيرها ؛ ومن حق الناقل أن يفرح ويفرح غيره ! فكلما كان أزيد في ذلك كان أعجب إلى النفس . فمن شأن من ينقل ذلك أن يزيد منه تعجيبا .
وربما بلغوا بالحكاية « 4 » مبلغا لا يمكن بلوغه بالحيل . فمن سبيل السّامع أن يميز ذلك .
وهذه الطريقة نجدها فيما يحكى عن المنجمين . فإنهم ربما أصابوا في اليسير ، فيعظم ذلك في الحكاية ، حتى يصير من أصاب في عمره ، في أمور مخصوصة ، ممن لا يوجد إلا مصيبا . وذلك لأن الخطأ منه عادة ، كما أنه في غيره جبلّة وعادة ، فلا فائدة في نقله ، وإنما نقل الخارج عن العادة ، ويزاد فيه . ومن رجع إلى بصيرة ، وعقل ، ومعرفة بالأمور ، ميّز ما سمعه .
هامش
( 1 ) في ب : « يبعد به »
( 2 ) في ب : « أو يشتد »
( 3 ) هذه الكلمة مكررة في « ب »
( 4 ) في « ب » : « ما يحكى به »