وقد حكى عن نوادر « أبى معن ثمامة بن أشرس » « 1 » ودعابته ما يقارب ذلك ، لأنه قال : نزلت الخلد « 2 » من بغداد ، وإلى جانب دارى حائك جاهل يمنعني من النوم ، مرة بالنساجة ، ومرة بقراءة سور المفصل من القرآن ، فلا يكاد تسلم ، على لسانه ، آية عن لحن وتصحيف . فسألت عنه ، وإذا الرجل سليم الصدر ، يعتقد في نفسه الزهد والورع وكبر المحل في طبقته . فعمدت إلى آجر الحائط ممّا يلي السقف وثقبته ، وعند السحر ناديته ، وهو يكنى « بأبى المنذر » أو يسمى بالمنذر » : « يا منذر قم فأنذر » ، وكررت القول عليه . فظن أن ذلك وحى ، وقد جاءته النبوة . وبثّ ذلك فيمن يختص به . ثم عدت إلى مثل ذلك ، فزدت في النداء ، ولم أعلم أن سلامته تبلغ به الحال إلى أن يظهر أنه نبىّ ، فأظهر ذلك . وأخذه السلطان ، وله حديث طويل ، لأن « ثمامة » لما وقف على ذلك خلّصه ، وبين الوجه في أمره .
وأين هذه الحيل - التي من يتعمدها يستخف بقدره ، ويضع من وزنه ويدخل تحت الأخطار ، وألا يفعلها إلا سخيف مشهور بمجالسة أمثاله - من معجزات الأنبياء عليهم السلام ، وقد كانوا مشتهرين بالنظافة في النسب ، والنزاهة في الأخلاق ، والطهارة في النشوء والأحوال ؛ أمورهم بينة ظاهرة قبل النبوّة وبعدها ؟ حتى حكى :
كان يسمى ، صلى اللّه عليه وسلّم ، الأمين ، ويرجع إليه المتقدمون في السن ، لرأيه ، وحزمه ، ودينه ، وفضله ؛ ثم أظهر من المعجزات ما أظهره ، مكشوفا غير مكتوم يتحمل فيه العوارض ، ويصدع بالدعاء إلى سبيل ربّه ، فجرى على طريقة واحدة لا تختلف .
فأما ما حكى عن « الحلاج » وغيره ، من أنه أطار طائرا ميتا ، فقد حكى عن « مسيلمة » و « المختار » وغيرهما . وذلك بأن يخدّر الطائر بدواء معروف ، ثم يحل بأمر مشهور ، فيطير .
هامش
( 1 ) أبو معن : ثمامة بن أشرس النميري من المعتزلة ، ومدرسته تسمى الثمامية وكان في عصر المأمون وكان عنده بمكان ( الملل والنحل - الثمامية ) .
( 2 ) قصر للمنصور خرب فصار موضعه محلة .