سلفت لهم وخفة الآلات . وليس أن غيرهم لو تعمل لما تعمّلوه لما ساواهم ، أو قاربهم ، لكن لأن الغرض يختلف : ففيهم من يوافق غرضه غرضهم ، وفيهم من يخالف . وكل ذلك من باب العادات . وقد بيّنا أنها ربّما قلّت ، وربما كثرت بحسب الصناعات التي قد تقل وتكثر .
ومنه ما يقع منهم فيه التمويه والتخييل ، فيكون الأمر على خلاف ظاهره ، لخفة يد ، وحركة ، وعادة في ذلك مستمرة . يبين ذلك أن أحدهم ربما تناول الدراهم من الهواء . ولو كان ذلك حقا لما طلب من الحاضرين القيراط والفلس . وربما أوهم « 1 » ، في بعض الطيور ، أنه قد قتله وأماته ، وهناك مثله في الصورة ، فيخرجه ، ويوهم أنه الأول . وربما كان بينه وبين غيره مواطأة في كثير من الأمور ، ومواطنة على رموز ، فيخرج بذلك الأسرار ، إلى غير ذلك ، مما إذا فتّش « 2 » ظهرت الحال فيه .
وكل ذلك كالمعتاد ؛ لأن من فتّش عن أسبابه وقف عليها ، وتمكن ، إذا تعاطى وتكلف ، منها .
وجميع ما يحكى عن « الحلاج » يدخل في هذا القبيل . وقد حكى ما كان يفعله ، وذكرت أسبابه على وجه يتضح لمن يسمعه وجه الحيلة فيه . ولو أراد أن يتعمّل لمثله إنسان لوصل إليه ، إذا رضى لنفسه ذلك . لكن في تعاطى هذه الأمور ، مفارقة لطريقة الدين ، ودخول تحت الخطر والخوف . وربما تعذّر ذلك إلا بأصحاب ، وآلات ، وتمكّن ؛ وذلك لا يتأتى لكل واحد . وإنما تمكن « الحلاج » فيما يحكى عنه لتوفر آلاته وكثرة أصحابه . ومن عرف طريقته وأخباره صحّ ، عنده ، ما ذكرناه .
وربما نذكر من ذلك طرفا ، ليكون أقوى للحجة ، وأبعد من الشبهة « 3 » ، واللّه الموفّق .
هامش
( 1 ) في « ب » : « أنهم »
( 2 ) في « ب » : « قيس »
( 3 ) هذا ما سيذكره فعلا في العضل التالي .