تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وقالوا : لو سلّمنا لهذا الطاعن أن هذه المعجزات واقعة بحيلة لوجب أن تكون معجزة ؛ لأنها إذا صحت منه ، وتعذّرت على سائر الناس ، مع التفتيش الشديد والبحث عن أسباب الحيل وقوة الدواعي في المشاركة ؛ ولم تجر العادة في الحيل الواقعة من العباد ، ألّا تقع فيها المشاركة مع التفتيش ، وألّا يوقف على سببها « 1 » مع البحث - فيجب في هذه الحيلة خاصة أن يقال : إنه تعالى مكّن ذلك العبد مما لم يمكن منه غيره ، وخصّه بأمر فارق به سواه ، والعادة لم تجر بمثله ؛ فيكون ذلك في باب أنه معجز بمنزلة ما قدّمنا ذكره ، من حمل الجبال الراسيات التي تدل على اختصاص بقدر عظيمة ، إلى غير ذلك . وقالوا : فكذلك إذا قال الطاعن : إن ذلك إنما صح للطيفة ، أو طبيعة ، أو لأنه ظفر بجسم أو جوهر لم يظفر به غيره ، أو لأنه خصّ بضرب من التمكين ؛ لأن كل ذلك يقتضي نقض العادة ؛ لأنها لم تجر بهذا الجنس من الاختصاص ، كما لم تجر بإحياء الموتى - فكما أن ذلك معجز مفارق للإحياء المعتاد ، فكذلك القول فيما ذكرناه « 2 » . وقد علم أنه لا بدّ ، فيمن عرف العادات ، وسمع الأخبار ، واختبر الأحوال ، أن يفصل بين المعتاد من الأمور وبين خلافه ، ويفرق بين ما جرت به العادة من بعض العباد وبين خلافه . والمعوّل في ذلك على الخبر والاختبار . وإذا بلغ منهما ما في الوسع ، ثم وقف على اختصاص بعضهم بهذه الأمور التي زعم الطاعن أنّها تقع بحيل ، فقد عرف من حالها ما لو كان معجزا كان لا يعرف منه إلا هذا القدر . فكيف يصحّ ، فيما هذا حاله ، أن يعدّ من باب الحيل ، مع أنه لا فرق بينه وبين المعجز على وجه ؟ ولا بدّ في الشبهة أن تبين من الحجة ، كما لا بدّ من فصل بين الحق والباطل . ومن شأن الحيلة أن تعدّ شبهة ، كما من حق المعجز أن يكون حجة . فكيف يصح أن تتعذر فيهما التفرقة ! ؟
هامش
( 1 ) في « ب » : « نسبها » ( 2 ) سيعرض نفس هذه الفكرة في الجزء السادس عشر - انظر إعجاز القرآن تحقيق الأستاذ أمين الخولي ص 214 .