فصل في بيان التفرقة بين المعجز والحيل
/ إن سأل سائل فقال : إنما يتم جميع ما ذكرتموه ، متى بيّنتم ، في المعجزات ، أنه لا سبيل إلى الوصول إليها بحيل المحتالين ؛ لأن ، عند ذلك ، يتم القول بأنها من قبل الحكيم ، ويصح ، عنده ، أن تجعل دلالة على النبوات . فأما إذا قيل إنها واقعة ممن ظهرت على يده ، كوقوع الحيل من المحتالين ، فمن أين أنها أدلة ؟ وكيف « 1 » يصح لكم ذلك ، وقد وجدتم الحيل قد تظهر ، على وجه ، يختص بها قوم دون قوم ، حتى يتعذر على غيرهم الوصول إلى مثله ، كما يفعله المشعوذ والممخرق ، وكما يحكى عن الحلاج وغيره ؟ وقد وجدتم كثيرا من الأمور توصّل إليها ، على هذا الوجه ، مثل ما يفعله المحتال من جرّ الثقيل بالقزّ ، ومثل جذب الحديد بحجر المغناطيس ، ومثل الآثار المعمولة بالطلسم ، وغيره . فما الأمان أن تكون المعجزات جارية هذا المجرى ، لكنها أبعد من الأفهام وأقل في الوقوع ؟ وقد رأيتم الحيل تتفاوت : ففيها ما يكثر ، وفيها ما يقل ، وفيها ما يتوصّل إلى الوقوف على سببه ، الكثير ، وفيها ما لا يقف عليه إلا العدد اليسير .
فإذا صح ذلك فيها فجوّزوا في المعجز أن يكون من هذا الباب ، لكنه أدخل « 2 » في القلة « 3 » ، وفي تعذر الوقوف على سببه ، وجوّزوا أن يكون من ظهر عليه اختص بلطيفة أو طبيعة ، أو ضرب من القدرة والمعرفة والآلة ، فتمكن من ذلك ، دون غيره ، خصوصا فيما تدّعون من معجزات نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن جميعها من جنس ما يمكن العباد أن يعملوه . فما الّذي يمنع من أن يقع بالحيلة ، من جهة الجمع والتفريق
هامش
( 1 ) في « ب » : « فكيف » .
( 2 ) في « ب » : « داخل » .
( 3 ) في « ب » : « العلة » .