وبعد ، فإنه لا يصح أن يعرفنا أحوالها إلا مع العلم به تعالى ، لأن العلم بذلك كالفرع على العلم باللّه تعالى . ولا يصح في الفرع أن يكون ضروريا والأصل مكتسبا .
وبعد ، فإن ذلك لو صح لم يقدح في حسن البعثة ، لأنه كان يقال : إذا علم تعالى أن الصلاح يحصل بكل ذلك فهو مخيّر ، وإن كان الأولى في الجواب ما تقدم ؛ لأنه كان يكون إلزام النظر ، ونصب الأدلة للوصول بها إلى هذه المعرفة ، كالعبث على أن كون هذا الفعل صلاحا يفيد أن المكلّف ، عند اختياره ، يختار واجبا ، أو يكف عن قبيح . ولولا ذلك لم تكن هذه حاله . ولا مجال للعلوم الضرورية في كيفية اختيار المختارين للأفعال والتروك عند غيرهما ؛ لأن ذلك يجرى مجرى علم الغيوب بما يقع وما لا يقع من جهة المختارين ؛ فكيف يصح أن يعلم ذلك باضطرار ؟
فإن قال : أليس أهل العقول يعرفون كثيرا من الأمور المستقبلة ، نحو علمهم بأن العبد يموت ويبلى ، وأن الصغير يكبر ، وأن بعد الشباب يهرم ، إلى غير ذلك ؛ وإذا صح العلم بذلك باضطرار ، فهلا صار مثله فيما ذكرتم ؟
قيل له : لا يلزم هذا على ما قدمناه ، لأن هذا العلم حاصل بالعادة ، وليس يتناول اختيار المختارين ؛ وإنما هو كالعلم بالليل أنه لا يستمر ، ويجيء بعده نهار ، وكذلك النهار ، وأن الشمس تطلع من جهة وتغرب في جهة ، إلى ما شاكل ذلك . فهو علم بأحوال الأعيان قد حصل من جهة التجربة والعادة ، كما حصل ، من جهة العادة ، العلم بأن الصحيح منا لا بدّ من أن يجوع ويشبع . وليس كذلك ما قدمنا ذكره ؛ لأنه علم باختيار [ و ] فعل عند اختيار آخر ، وذلك مما لا تصح طريقة الضرورة فيه .
يبيّن ما قلناه أن العلم المتقدم إنما صح أن يكون ضروريا لاستمراره في العادة ، وليس كذلك الحال في الاختيار عند الاختيار لأن عادة العقلاء ، فيه تختلف ولا تتفق .
يبيّن ذلك أن أحدنا فيما يعانيه ، ويحويه ، ويختص به ، لا يعلم باضطرار ما يجرى هذا المجرى في تدبيره ولده ، وفي تدبير نفسه ، فيجوز اختلاف أحواله فيما يختاره عند الأمور ، أو يكف عنه . وكذلك حاله مع ولده وغلامه . فما للعادة فيه مدخل ، فيما يجرى هذا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 24
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٤