وقد علمتم وقوع ذلك في الأنبياء ، لأن كثيرا من أممهم عصوا ، ولم يقبلوا ؛ بل فيهم من أقدم ، عند دعائه وأدائه ، على تكذيبه ومحاربته ؛ وهذا إلى المفسدة أقرب . فإذا « 1 » كان ، لو كان لطفا لتعلق اللطف ببعض ما ذكرناه أن اللطف لا يتعلق به ، فيجب بطلان ما ذكرتم أنه المعتمد في حسن البعثة .
قيل له : إن اللطف في هذا الباب هو [ تمسّك ] « 2 » المبعوث إليه بالشريعة ، وقيامه بها ، قلّت أو كثرت ؛ وإنما يكون لطفا إذا وقع منه مع التعليم والمعرفة . فإذا لم يتم هذا اللطف إلا بدعائه وأدائه ولا يتم ذلك إلا بنظره في المعجزات ، ولا يتم كل ذلك إلا بتحميله تعالى الرسالة وتكفّل الرسول بأدائها - فلا بدّ من وجوب ذلك ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به ومعه وجب كوجوبه . فإذا صح أنه يجب عليه تعالى أن يلطف للمكلف ، وأن يعرفه ما هو لطف له من أفعاله ، ولم يتم هذا التعريف إلا بأمور فالواجب أن يفعلها تعالى ، كما أن لطف المكلّف إذا لم يتم إلا بإيلام طفل ، فلا بد من أن يخلقه ويجعله بالصفة ، التي حدوث الألم في جسمه يكون لطفا لأبيه وأمه . ولا يمتنع ، وإن كان تمسكه بالشرع هو اللطف ، أن يكون من شرط كونه لطفا أن يعلمه على هذا الوجه ، وأن « 3 » يؤدى إليه هذا الشخص « 4 » ، فيصير ما سأل السائل عنه كالوجه في كونه لطفا ؛ لأن ما هو شرط في اللطف ، ووجه فيه ، بمنزلة ما لا يتم إلا به في « 5 » الوجوب . فعلى هذين الوجهين ، يجب أن يجرى هذا الباب . ولذلك جوّزنا أن يكون المعلوم في المكلفين أن ذلك لطف لهم إذا أدّاه إليهم نبي مخصوص ، دون غيره . وأوجبوا ، عند ذلك ، بعثته بعينه ، دون غيره .
فإن قال : لو كان كما زعمتم لما حسن منه أن يبعثه ، والمعلوم أنه يعصى ويكذّب ، ولا يتمسّك بذلك ، بل يحارب ، ويقاتل .
قيل له : قد بيّنا ، في باب اللطف ، أن الّذي يجب في ذلك أن يكون صلاحا له لو
هامش
( 1 ) في « ب » : « وإذا » .
( 2 ) في « ب » : « أن يتمسك » .
( 3 ) في « ب » : « لأن »
( 4 ) هكذا في « ا » و « ب » ، والسياق غير واضح
( 5 ) في ب : « من »