تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وقد لزم ذلك في التكليف . فإذا كان الكاذب قد نعلم كونه كاذبا ، بفقد ذلك ، صار فقده بمنزلة المعجز الظاهر في الدلالة . فمن أوجب المعجز ، أو قال بحسنه ، فهو بمنزلة قول من قال : إنه يحسن إظهار معجز بعد معجز ، وقول من قال : إنه يحسن إظهار المعجز على الصالح لصلاحه ، إلى غير ذلك مما بينا فساده . وبعد ، فلو حسن / إظهار ذلك للتأكيد ، لحسن إظهار المعجزات على الأئمة ، والأمراء والعلماء لتأكيد أحوالهم فيما يثبتون ، ويتصرفون فيه . وبعد ، فإن المنع من الدعوى الكاذبة أولى من إظهار المعجز بالضد فيما التمسه ، وأدخل في زوال الشبهة . فكان يجب ، إن وجب ذلك ، أن يجب أن يمنعه من الادعاء لكيلا تحصل في النفوس شبهة ، أو كان يمنعه من إيراد حيلة ومخرقة ، لتزول الشبهة ، أو يشغله عن ذلك بضرب من ضروب الشواغل . وهذا الّذي ذكرناه يسقط قول من يقول : إنه تعالى يظهر المعجز على الكاذب ، بأن يقول : « اللهم ، إن كنت كاذبا فأحى هذا الميت » ، فإذا أحياه اللّه تعالى دلّ على كذبه ، على حدّ ما يدلّ المعجز على صدق النبي ؛ وذلك لأن فقد هذا المعجز يغنى في باب معرفة كذبه ؛ لأنه لو كان لا يعرف كذبه بألا يظهر ذلك ، لكان يجب ، فيمن يدّعى النبوة - ولم تظهر المعجزات عليه - ألا نعلمه كاذبا . وقد بيّنا أننا نعلم ذلك لا محالة ، وأنا لو لم نعلم ذلك لما علمنا بالمعجز كونه صادقا . فإذا صحّ ذلك ، وكان فقده يغنى ، ويكفى ، فيجب أن يكون المعجز كالعبث بمنزلة المبتدأ ، فلا يحسن أن يظهر عليه . فبهذا الوجه يسقط هذا القول ، وإن كان القول الّذي قدّمناه يسقط بذلك ، وبغيره من الوجوه التي ذكرناها . وبعد ، فإذا علمنا ، من جهة العقل ، أن الصادق في ادعاء النبوة لا بدّ من ظهور المعجز عليه علمنا ، عند ذلك ، أن من لم يظهر عليه لا بدّ من أن يكون كاذبا . فإذا علمنا ذلك ، فلو حسن ظهوره عليه ، وإن كان فقد ذلك يكفى في معرفة حاله ، لحسن ظهور المعجزات على كل من أخطأ في مذهب ، على هذا الوجه الّذي قالوه ، وإن علمنا ، بالعقل ، كونه مخطئا في ذلك .