تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦

فصل في الكلام على من جوّز ظهور المعجزات على الكذابين

يقال لمن أجاز ذلك : إذا جاز ظهورها على الكذّاب ، فما الفرق بين الصادق والكاذب ، والنبي والمتنبّى ؟ فكيف يصح ، مع هذا القول ، أن يعرف به صدق النبي بالمعجزات الظاهرة ؟ فإن قال : إنما كان يلزمني ذلك لو جوّزت أن يظهر على الكذاب ، على الوجه الّذي التمسه . فأما إذا جوّزت ظهوره على خلاف ذلك الوجه ، فقد فصلت بين النبي والمتنبي ، وصرت ، بما قلته ، مؤكدا لدلالة الأعلام على النبوات . وهذا مثل أن يقول المدّعى للنبوة ، كاذبا : « اللهم إن كنت صادقا فيما ادّعيته فغزّر الماء في هذه البئر ، وكثّره » . فإذا غارت البئر ، ويبست ، دلّ على أنه كاذب . وعلى هذا الوجه ، روى ما كان من « مسيلمة » « 1 » عند ادعائه النبوة . فما حلّ هذا المحل يدلّ على كذبه ، لوقوعه بالضد ممّا ادعاه والتمسه . ويفارق بذلك النبي ؛ لأنّه يظهر عليه ، على وفق ما ادعاه . فكيف يلزمني ألّا أفصل بين النبي والمتنبي ؟ قيل له : إنما لم يلزم ذلك من يذهب إلى ما ذكرته الآن . وإنما يلزم ذلك من يجوّز ظهورها على الكاذب « 2 » ، على حد ما يجوّز على الصادق . فأما من يسلك هذه الطريقة فوجه الكلام عليه أن يقال : إذا كان الّذي التمسه ، وطلبه ، هو غير الّذي ظهر ؛ بل هو ضده ، فكيف يصح أن يكون له تعلق بدعواه ؟ وإذا لم يكن له بها تعلق لم يصح أن يكون دالّا على صدقها ، ولا على كذبها ؛ ويجب أن يكون هذا المعجز في حكم المبتدأ « 3 » . وإذا لم يجز ، للدلائل التي ذكرناها ، ظهور المعجزات على حد الابتداء ، لما فيه من كونه عادة ومصلحة ؛ فيجب ألّا يصح ما ذكرته . وهذا
هامش
( 1 ) في « ب » : « مسلمة » . ( 2 ) في « ب » : « الكاذبة » . ( 3 ) في « ب » : المبتدا » . وفي « ا » : المبتدأ
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 236 | القاضي عبد الجبار الهمذاني