فإن قال : كذلك أقول .
قيل له : فيجب أن يجوز « 1 » ] أن يكون الصلاح على بعض الوجوه معرفة فساد المفسد ، كما يكون الصلاح معرفة صلاح الصالح . فلما ذا اقتصرت في إظهار المعجز على الصالحين ، دون أن تجوّز ظهوره على الطالحين « 2 » ، بل على الكفار ؛ بل على الكذابين ! ! ؟
فإن قال : لأنى قد علمت أنه إنما يظهر على الصالحين دون غيرهم ، فعلمت أنه الصلاح ، كما تقولون في الشرائع .
قيل له : إنما كان يصح ذلك لو ثبت ما ادعيته منه ، وكلامنا في إبطال تجويزك ؛ ولمّا ثبت ما ادعيت . فالمعارضة لازمة لك ؛ وهذا ردّه إلى أن المعجز لو ظهر على الصالحين لكان لا يكون إلا من باب المصالح ، سواء / قال إنه يدل على صلاحهم ، أو لا يدل على ذلك . ففي ذلك من الفساد والقدح في أعلام الأنبياء عليهم السلام ما بدأنا بذكره .
ومما يبين ما قلناه أن المعجز ، لو حسن إظهاره على الصالحين لبعض الوجوه ، لم نأمن ، في مدعى النبوة وملتمس المعجزة ، إذا ظهرت أنها إنما ظهرت لصلاحه ، على طريق التصديق فيما يدّعيه من النبوة ؛ لأنا قد بينا أن وجه دلالتها على صدقه ، فيما ادّعاه من النبوة ، تعلقها بالدعوى ، وأنه لولا صدقه فيها لما حسن في الحكمة أن يفعل . فنعلم ، عند ذلك ، أن الحكيم إنما فعلها على طريق التصديق ، وأنها تحل محل قوله : « صدقت » . فإذا كان هناك وجه يقتضي حسن ظهورها سوى ذلك ، فمن أين أنها دالة على النبوات ؟
فإن قال : إنها إنما تدل على صلاح من ظهرت عليه عند فقد دعوى النبوة . فأما إذا وجدت فهي بأن تدل على صدقه فيها أولى ؛ لأنها بالدعوى أشدّ تعلقا .
قيل له : قد بينا أن تعلقها به إنما يجب بأن يثبت أنه لولاها لما حسن في الحكمة فعله . فلذلك فارقت الأمور المعتادة في هذا الباب . فإذا كنت ، بتجويزك ظهورها
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب » .
( 2 ) في « ب » : « الصالحين » .