فإن قال : لو كانت تظهر لذلك لانتشر خبرها ، ولما انكتم ؛ لأن العادة جارية ، فيما يحل هذا المحل ، ألا ينكتم . فكيف في مثله ؟
قيل له : إذا كثر / ذلك لم يمتنع أن ينكتم ، كما ينكتم سائر ما يقع من جهة العادة ، كالغنى ، والمرض ، إلى ما شاكل ذلك ، سيّما إذا كان هناك « 1 » ما يدعو إلى كتمه .
والمتعالم من حال الصالحين أنهم ربّما أحبّوا أن يستتر حالهم في الصلاح .
وبعد ، فإنّ عند القوم أن ذلك قد يظهر وينكتم ، وإنما يظفر ، في كثير منه ، المختصون بالصالح « 2 » من الأصحاب ، على طريق الاستخراج والاستسرار ؛ فما الّذي يمنع ، على قولهم ، مما ألزمناهم ؟
فإن قالوا : ألستم تقولون في المعجزات : إنها لو كانت معتادة ، على بعض الوجوه ، لظهر حالها ، وتجعلون ذلك مسقطا لمن اعترض عليكم بمثل هذا الكلام ؟ فسوّغوا لنا مثله .
قيل له : إنما نوجب « 3 » ذلك إذا ثبت فيها أنها تنقض عادة ، فنوجب « 4 » ظهور أمرها إذا حصلت ، ونعلم ، بفقد الخبر والتواتر عنها ، أنها لم تحصل ، لأمر يرجع إلى قوة الدواعي في نقل ما هذا حاله . وليس كذلك قولكم ؛ لأنكم قد جعلتموه في حكم المعتاد ، ولزمكم ذلك على ما بيّناه . وإذا حصل كذلك خفت الدواعي في نقله ، وصحّ فيه ما ألزمناكم .
وقد استدل الخلق على ذلك بأن دلالة النبوة ، لو ظهرت على من ليس بنبي ، لخرجت من أن تكون دلالة ؛ لأن من حقها أن تدل أينما حصلت ، ومتى جوّز أن تحصل في موضع ، ولا تدل ، انتقض كونها دلالة .
قالوا : فيجب ، لذلك ، ألا يجوز ظهورها على غير الأنبياء ، كما لا يجوز صحة الفعل إلا من قادر ، وصحة الفعل المحكم إلا من عالم . ولا يجوز منه تعالى أن يصدّق
هامش
( 1 ) في « ب » : « هنالك » .
( 2 ) في « ب » : « الصلح » .
( 3 ) في ب : « يوجب » .
( 4 ) في « ب » : فيوجب » .