ومما يبين ذلك أنه تعالى إذا أجرى سنته وعادته أن يظهر المعجز للدلالة على الرسول ، ويكون ذلك من فعله تعالى ، حالا بعد حال ، صار ظهوره ، لا على هذا الوجه ، كالشبهة فيما جرت به العادة ؛ فيقع في الوهم ، عند ذلك ، أن ما تقدم أيضا إنما ظهر ، لا على طريقة التصديق ، لكن على هذا الوجه الّذي ظهر الآن . فيكون ذلك منفرا ، إن لم يكن قادحا . ولو أنه تعالى أجرى العادة بأن لا تمطر السماء إلا عند دعاء الرسول ، ويكرر ذلك على الأوقات ، ثم أمطرها ، من بعد ، ابتداء لكان ذلك يوقع شبهة في القلب ووهما ، ولصار منفرا . وهذه طريقة معروفة لمن تأمل وأنصف من نفسه .
فإن قالوا : كيف يجوز أن تدلوا على أن المعجز لا يظهر إلا على الأنبياء عليهم السلام / مع ما قد ثبت ، بالنقل والتواتر ، أنه قد ظهر على غيرهم ؛ والإمامية تدعى ظهور ذلك على كثير من الصالحين ، والأخبار في ذلك شائعة ظاهرة ؟
قيل له : إنه لا تخلو فيما تدعيه ، من أن تزعم أن هذه الأخبار توقع العلم الضروري ؛ أو تدّعى أنها دالة على صحة ذلك ، إن نظرنا فيها وفي كثرتها ؛ أو يقال فيها : إنها من باب الآحاد .
فإن كانت من الباب الأول فيجب أن يعلم ظهور ذلك على غير الأنبياء ، كما تعتقدون ، ونحن نعرف خلاف ذلك من أنفسنا ، وأنتم تعلمون منا أنا لا نعتقد ذلك ، وأنا نتدين « 1 » بخلافه .
وإن زعمتم أن هذه الأخبار قد بلغت في الكثرة حدّ التواتر ، الّذي يدل على صحة الخبر ، فبيّنوا أن ذلك صفتهم ، ليلزم الحجة بقولكم . والمعلوم من هذه الأخبار خلاف ذلك ؛ لأن من يذكره ويدعيه « 2 » يجرى مجرى المقلد فيما يحكيه ؛ ولا يكاد يحكيه ، عن مشاهدة ، إلا الشاذ منهم . وربما حكوا ذلك عن مشاهدة فيمن ينكره عن نفسه من
هامش
( 1 ) في « ب » : « نتدبر » .
( 2 ) في « ب » : « يدعيه » .