قيل له : إن ذلك لا يمتنع عندنا . ولذلك نجوز إرسال الرسول ، وإظهار العلم عليه ، وليس معه إلا شريعة واحدة يؤديها في حال واحدة . لكنا لا نجيز خروجه من كونه نبيّا . وتغيّر حاله ، لما بيّناه ، من قبل ، مما لا يتأتى للمخالف أن يقول بمثله فيمن لا يغيّر ولا يبدّل .
واعلم أن شيخنا « أبا عبد اللّه » رحمه اللّه ، اعترض هذا الدليل ، بأن قال : إن قوله إنّ دلالة العلم بخلاف دلالة سائر الأدلة غير مستقيم ؛ بل لا يدل إلا على الوجه الّذي يدل سائر الأدلة عليه . وحاله في الدلالة كحالة التصديق . وإنما لم يجز أن يكون رسولا نبيا ، ولا يظهر عليه علم ؛ لأن الغرض في بعثته ما للغير فيه من المصلحة ، فلا بد من التعريف .
وذلك لا يصح إلا مع ظهور المعجز . وليس كذلك الحال « 1 » في سائر ما يدل الدليل عليه ؛ لأنه لا يلزمنا أن نعلم زيدا قادرا في كل وقت ، وكل حال . وقد يجوز أن يكون قادرا ، وإن لم يظهر عليه ما يدل على حاله . وفي الأدلة ما يجب حصوله عقلا وسمعا ، وذلك نحو ما نقوله ، من أنه ، لو كان للجوهر حال ، سوى التحيز ، يصح احتمال الأعراض لها ، لوجب أن يكون عليه دليل . ولو كان في الصلوات المكتوبة صلاة سادسة لوجب أن يدل عليها دليل . ولم يوجب ذلك أن تكون هذه الأدلة إبانة مفارقة لسائر الأدلة في هذا الباب . وإنما وجب - متى كثر العلم - أن يخرج من أن يكون دلالة لأن وجه كونه دلالة يتغير بكثرته ؛ لأنه إنما يدل ، من حيث كان ناقضا للعادة . وذلك لا يتأتى فيه إذا كثر ، وصار معتادا . وهذا واجب في كل الأدلة ، أنها إنما تدل ، متى لم تتغير حالها في الوجه الّذي تدل على المدلول .
يبين ذلك أن الفعل المحكم إنما يدل على كون فاعله عالما متى بلغ حدا ؛ فلا يوجب ذلك أن تكون دلالته مخالفة لدلالة سائر الأدلة .
قال : وإذا خرج ، بما ذكرناه ، من أن يكون مفارقا لسائر الأدلة ، فمن أين أنه يدلّ من جهة الإبانة والتخصيص ، حتى نحكم بامتناع ظهوره على من ليس بنبي ؟
هامش
( 1 ) في « ب » : « حال » .