تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
نبىّ لا شريعة معه . فإذا ثبت ذلك ، وكان الداعي إلى النظر فيه ما ذكرناه ، فمتى جوّز أن يظهر ، ولا يلزم النظر فيه ، أدى إلى الاستفساد ، وإلى التنفير ، وزوال الداعي . وهذا مما لا بد من أن يجنّبه تعالى أنبياءه ؛ لأنه تعالى بيّن أنه يجنّبهم الفظاظة ، والغلظة ، وغير ذلك مما لا يبلغ في التنفير هذا المبلغ ، فبأن يجنب ما يقتضي التنفير عن دلالة نبوتهم أولى . وإذا لم يجز عليهم التعمية ، والإلغاز ، وغير ذلك مما ينفر وإنما يؤثر في شرع واحد ، فبأن لا يجوز أن يفعل تعالى ما ينفرّ ، عن طريق إثبات نبوتهم ، أولى . فإن قال : فيجب ، لو لم ينفر ذلك ، أن يجوز أن يظهره تعالى . قيل له : كذلك كان يجب ؛ لكنا نعلم أنه لا يصح ألا يكون منفرا ، والأحوال في التكليف ما نعقلها ! وما قولك في هذا الباب إلا بمنزلة من يقول : لو لم ينفر وقوع الكبائر ، وما يجرى مجرى السخف ، من الأنبياء ، كان يجب أن تجوز « 1 » بعثتهم ، وحالهم هذه ! وإذا بطل هذا القول ، لما فيه من المناقضة ، فكذلك القول فيما سألت عنه . وقد ثبت أن ما ينفر الواحد بمنزلة ما ينفرّ الكلّ . فليس لأحد أن يقول : إن كثيرا من الناس قد اعتقدوا ظهور الأعلام على غير الأنبياء ولم ينفرهم ذلك ؛ لأنه لا معتبر بجميعهم ، بل الواحد منهم كالجميع : وبعد ، فإنا لا نريد بالتنفير أنهم يمتنعون من تصديقه ، والاستدلال بالمعجز على نبوّته ؛ وإنما نعنى بذلك أنه يجرى مجرى الصارف . وليس يجب ، متى حصل الصارف ، أن ينصرف المكلف ؛ لأنه قد يجوز أن تقوى سائر دواعيه ، ولا يخرج ذلك الصارف من أن يكون صارفا . وقد علمنا أنه ، جلّ وعز ، لا يجوز أن يصرف عن الأمر الّذي بعث الأنبياء لأجله ، وكلّف عباده العلم والعمل به ، لمثل ما دللنا به على وجوب اللطف ، وقبح المفسدة . فإذا صح ذلك ثبت ما قلناه فيه .
هامش
( 1 ) في « ب » : تكون » .