وبعد ، فقد بيّنا أن المعجز يدل على صدقه فيما ادعاه من النبوة فقط ، وأنه لا بدّ من أن يتعلق بالدعوى ، على طريقة التصديق . فيصح على هذا الوجه أن يكون إبانة له ، في النبوة ، من غيره . وذلك لا يتأتى ، في ظهوره ، على من لا يجوز أن يغيّر ويبدل ؛ لأنه ليس هناك خبر مخصوص يبينه فيه من غيره .
فإن قال : أليس المعجز يدل ، عندكم ، على صدقه في سائر ما يخبر به ؛ فقد أبان النبي في كل أخباره ؟ فهلّا جوّزتم مثل ذلك فيما نقوله ؟
قيل له : ليس الأمر كما قدّرته ؛ لأنه لا يجوز أن تثبته في أمر لم يقع ، وسائر الأخبار لم تقع منه ؛ وإنما نثبته في الخبر الواقع الّذي هو ادعاء النبوة والرسالة . لكنه ، متى دلّ على كونه رسولا للّه تعالى تضمّن ذلك كونه صادقا في سائر ما يؤديه في المنع مما ينفّر عنه .
فلذلك منعنا من جواز الكذب عليه . / وذلك لا يتأتى فيما قالوه ؛ لأنه ليس هناك خبر « 1 » فيمن يغيّر ويبدّل ، يجمع سائر أخباره ويتضمنها ؛ فكيف يصح أن يكون دالّا من حاله على الأمور المستقبلة ؟
فإن قال : إنه لا يظهر عليه إلّا بأن يقول ما يقتضي ذلك ، نحو « 2 » أن يدّعى أنه إمام ، وأنه حجة ، وأنه يلزم القبول منه .
قيل له : فما الّذي يقول عند هذه الدعوى ؟
فإن قال : يقول عندها : « اللهم ، إن كنت صادقا في ذلك ، فأظهر عليّ علما معجزا » كما نقوله في النبوات .
قيل له : فإن جاز ذلك فهلّا جاز أن يقول : « اللهم ، إن كنت صادقا في أمور مخصوصة ، فأظهر عليّ علما معجزا » فيظهره عليه . فإن أجاز ذلك لزمه تجويز إظهار المعجز على من يكون حجة في شيء واحد ، وفي يوم واحد ، وانتقض « 3 » بذلك ما يروم نصرته من المذهب .
فإن قال : فجوّزوا أنتم ، مثله في الرسول .
هامش
( 1 ) في « ب » : « خير » .
( 2 ) سقطت هذه الكلمة من « ب » .
( 3 ) في « ب » « والنقص »