الكذب . فكان يجب أن يكون محلهم كمحل الإمام في وجوب ظهور المعجز عليه ؛ وفساد ذلك يبيّن بطلان ما سألوا عنه .
فإن قالوا : إن الإمام ، مع أنه لا يغيّر ولا يبدّل ، هو حجة فيما يخبر به ، وليس كذلك حال غيره .
قيل له : إن الإمام إنما يصير حجة لكونه بهذه الصفة . فإذا جاز أن يشركه غيره فيها ، فيجب ألّا يكون حجة . فإن قال : إنما صار حجة ؛ لأنه قد حمّل ما يؤديه من الدين والشرع ، فهذا هو الّذي ألزمناهم عليه كون الأئمة أنبياء ، وجواز نزول الوحي عليهم ، وألّا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق . وبيّنا أن هذا القول تكليف لما لا فائدة فيه ؛ لأنه لا يوجد في الأئمة من هذه حاله . فكيف أن نتكلم فيما يجرى مجرى التفريع عليه ؟
وقد أجاب عن ذلك ، فيما أظن ، بأن من يجوز عليه أن يكون ممن لا يغيّر ولا يبدّل قد يجوز أن يكثر في الزمان ؛ لأنه لا دليل يقتضي قلة عددهم . فكان يجب ، على هذا القول ، إبانة جميعهم بالمعجز ؛ وفي ذلك إخراج المعجز من أن يكون معجزا وناقضا للعادة إلى « 1 » أن يكون كثيرا معتادا .
وبيّن أن المختلف من المعجز كالمتفق منه ، في أنه إذا كثر قدح فيه .
وبيّن أن ذلك لا يلزم على قولنا في تجويز بعثة جماعة من الأنبياء ، لأنّ ، عندنا ، أن بعثتهم تصدر عن حكيم عالم بالمصالح ، فلا يجوز أن يبعث إلا « 2 » القدر الّذي إذا ظهر المعجز عليهم لا يكون عائدا على كونه معجزا بالنقض . فلا يجوز أن يبعث الكثير من الأنبياء ، وإنما يبعث القدر الّذي يصح فيه ما ذكرناه .
وعلى هذه الطريقة ، جرت العادة ببعثة الرسل صلوات اللّه عليهم . ولو أنه تعالى علم من حال بعض المكلفين أنه لا يؤمن إلا ببعثة الكثير من الأنبياء لما كلفه . فالذي ألزمناهم غير راجع علينا فيما نقوله من النبوّات .
هامش
( 1 ) في « ب » : « إلا » .
( 2 ) سقطت من « ب » .