منه تعالى نصب دليل بعد دليل ، فكذلك القول في بعثة الرسول . وهذه علة من أجاز بعثة الرسول بما في العقول فقط ، أو بشريعة « 1 » لغيره لم تندرس بعد .
ومنهم من جوّز ذلك ، على حسب تجويزه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقال : لا بدّ ، فيمن ينصبه اللّه تعالى لهذه الرتبة ، أن يجعل له في القلوب مرتبة ، وذلك لا يكون إلا بإظهار المعجزة . وجوّز بعثة الأنبياء لينهوا عن المنكر في العقل ، ويدعوا إلى المعروف فيه ، وإن لم يعلم « 2 » من قبلهم ، ما لا يصح بالعقل معرفته .
ومنهم من لم يجوّز في البعثة إلا طريقة واحدة ، وهي أن تتضمن تعريفا ما لولاها لم يكن المكلّف ليعرفه بعقله ؛ وقال : إنهم يردون ما به يكمل التكليف ، وما لا تتم ألطافه ومصالحه إلا به ومعه ؛ ومتى لم يتحمل الرسول ما هذا حاله لم تحسن في العقل / بعثته ، وكانت البعثة داخلة في باب القبح والعبث .
وهذه طريقة شيخنا « أبى هاشم » ، رضى اللّه عنه ، آخرا . ولذلك قال : متى حسنت البعثة وجبت . وذلك إنما يتم على طريقته خاصة ، وإن كان قد مر في كلامه خلافه ، في جوابات « الصيمري » لأنه أجاز بعثة الرسول ، وإن لم تكن لطفا ، إذا تضمن زيادة التكليف ، وإن علم أنهم يعصون ولا يقبلون ، حتى ذكر أنه إذا كان هذا حالهم كان بعثه الرسول إليهم وتركه بمنزلة « 3 » ويصرّ على أن البعثة ، على هذا الوجه ، لا تكون واجبة . وذكر بعد ذلك ، ما يجرى مجرى الرجوع ، من أنه لا يحسن إلا اللطف والمصلحة . وهو الّذي يعتمده في سائر كتبه .
وإنما الكلام بينه وبين « أبى على » ، رضى اللّه عنهما ، في : هل تدخل ، في باب المصلحة بعثته بما في العقول على طريق التأكيد والتنبيه والتحذير ؟ فيقول هو : إن ذلك داخل في العبث ؛ لأنه لا يحسن ، لأجله ، إظهار المعجز . ولا يجب ، عنده ، النظر فيه .
ويقول « أبو علي » رحمه اللّه ، هو خارج عنه داخل في المصلحة ، فلا يقتضي هذا
هامش
( 1 ) في « ب » : « شريعة » .
( 2 ) في « ب » : « يعرف » .
( 3 ) هكذا في « ب » ، « ا » .