فصل في تقديم المعجزات وتأخيرها وما يتصل بذلك
فإن قال : أفيجوز أن يتقدم المعجز على دعوى المدعى للنبوة أو يتأخر عنه ؟ فإن قلتم إن ذلك لا يجوز للعلة التي قدمتموها لزمكم دفع ما تواتر الخبر به ؛ لأنه قد ثبت ، في الأخبار ، ظهور معجزات كثيرة على الرسول ، عليه السلام ، قبل البعثة ، كإظلال الغمامة « 1 » ، وكنحو ما يحكى من شقّ الملائكة جوفه ، وإخراجهم بعض جوارحه ، وإبدالهم ذلك بغيره ، إلى سائر ما نقل ، في هذا الباب ، عند صغره وتربيته ؛ ولزمكم دفع ما ذكر عن الأنبياء المتقدمين في تقدم معجزاتهم ، كنحو كلام عيسى في المهد ، وما ظهر لمريم عند الولاد « 2 » ، إلى غير ذلك مما يكثر ذكره . فإن قلتم : إن ذلك جائز نقضتم القول بأنه يجب أن يتعلق بالدعوى .
قيل له : إنا لا نجيز ذلك ؛ لأن ما يتقدم من المعجز لا يتعلق بالدعوى ؛ [ لأن الدعوى لم توجد ، فكيف يصح تعلقه بها ؟ أو يتأخر فلا يوجد إلا بعد موت النبي فإنه أيضا لا يتعلق بالدعوى ] « 3 » ؛ لأن حكم الدعوى قد بطل ، لأن حكمها هو وجوب القبول من المدّعى والانقياد له فيما تحمّله من الرسالة ؛ وهذا الحكم قد زال بوفاته . فإذا صحّ ذلك لم يجز أن يتقدم المعجز ولا يتأخر لهذه العلة .
وقد قال « أبو هاشم » ، رحمه اللّه : إن ذلك لو جاز لم يوثق بأن معجز النبي المتأخر يدلّ على نبوته ، دون أن يكون دالّا على نبوة المتقدم ؛ لأنّ ما أوجب تعلقه
هامش
( 1 ) أشار إليها في الجزء السادس عشر من المغنى ص 235 .
( 2 ) مصدر ولد ؛ الوضع .
( 3 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب » .