أنه لم يسمع على ذلك الحد والنظام ، إلا منه ، وأنه اختص بأن ابتدأ بذلك دون غيره ، ممن كان قبله ، أو في زمنه . وهذا معلوم فلا وجه للقدح فيه بالقسمة التي ذكرتها في هذا الباب . وهذا كما نعلم أن مصنف الكتاب هو الجامع لما صنفه فيه ، دون غيره ، وإن كنا نشك في أن ذلك من استنباطه ، أو أخذه عن غيره . فكما أن ذلك لا يقدح في علمنا بأنه ابتدأ ذلك ، فكذلك القول فيما ذكرناه .
فإن قال : فكيف السبيل إلى أن تعلموا أنه لم يظهر إلا عليه ، وعند ادعائه النبوة ؟
قيل له : قد يجوز أن نعلم ذلك باضطرار . لأنا لا نعلم بذلك أنه لم يظهر ، من قبل ، على ملك ، وإنما نعنى أنه لم يظهر على البشر الذين « 1 » نعرف عاداتهم وأحوالهم ، على ما بيّناه في باب العادة من قبل . ومعلوم من حال أمثالهم أن أخبارهم تنتهى إلينا ؛ فلو كان مثل هذه الأمور تظهر عليهم لنقل وعرف . وهذا باب في الأخبار ؛ لأنا كما نعلم بهذا الخبر المخبر ، فقد نعلم بفقدها فقد المخبر ، إذا كان المعلوم أن المخبر لو كان لنقل على حسب ما نقوله في المشاهدات : أنا نعرف بها المدرك ، ونعرف ، بفقدها ، فقد المدرك ، على وجه مخصوص . وقد يجوز أن نعرف ذلك بضرب من الدليل ؛ لأنا إذا علمنا دلالة المعجزات على النبوات علمنا أنه تعالى لا يجوز أن يفعل ما هو مفسدة فيها ، أو تمكين من ذلك ، فيعرف ، لذلك ، الاختصاص . وهذا مما نبينه عند الكلام في « إعجاز القرآن » .
فإن قال : أفيجوز أن يدل على النبوات ما لم يطلبه الرسول عند دعواه ؟
قيل له : لا بدّ من طلب ، على جملة أو تفصيل ، كما لا بدّ من تقدم الدعوى ، حتى يصح تعلقه به . ثم لا فرق بين أن يقرب ويبعد . ولذلك قلنا : إن الأنبياء عليهم السلام لا تحسن منهم المسألة إلا عند الإذن ؛ لأن الإجابة منه ربما تدخل في باب الإعجاز ، وربما تكون مفسدة .
هامش
( 1 ) في « ا » ، « ب » : الّذي .