يبين ذلك أن مدّعى النبوّة ؛ إذا جعل الدلالة على نبوته نقل الجبال ؛ وطفر البحار ، فالحادث من ذلك ليس هو الدال على نبوته ، وإنما يكشف عن وجود القدر العظيمة التي لم تجر العادة بمثلها . لكنا لمّا علمنا بالحادث وجود تلك القدر دلّت كدلالة الأمور الحادثة ، فلا معتبر بما ذكرته ؛ وإنما المعتبر بأن نعرف تعلق ما قلنا إنه معجز بالدعوى .
وإنما نعلم ذلك ، متى علمنا أن العادة لم تجر بمثله ، فيما ظهر من قبله . وإذا حصل كذلك نعلم أن وجه ظهوره مع حكمة القديم ، عزّ وجل ، وهو تصديقه / ، فيما ادعاه من النبوة ، تعالى . فعلى أىّ وجه ظهر فالحال واحدة ، سواء ظهر بحدوثه ، أو بحدوث ما يكشف عنه ، أو بغير ذلك .
فإن قال : كلّ ذلك ممكن في سائر المعجزات ، ولكن الّذي لا يصحّ تثبيت ذلك فيه هو الّذي يمكن فيه النقل والحكاية ، كالقرآن الّذي عليه تعتمدون في كون الرسول عليه السلام صادقا . فكيف يصح في « 1 » ذلك التعلق ، وقد عرفتم أنه من الباب الّذي لا يحدث عند دعواه ؛ بل تعترفون بأنه ليس بحادث في تلك الحال ، وأنه قد كان من قبل ، وأن الّذي سمع منه ، صلى اللّه عليه وسلم ، حكاية كلام اللّه تعالى ؟ فكيف يصح فيما حلّ هذا المحل أن يتعلق بالدعوى حتى يدل على صدقه ؟
قيل له : إذا علمنا أنه لم يظهر ذلك إلا عليه ، وعند دعواه للنبوة ، وأن هذه المزية ليست لسائر من يصح أن يعرف خبره وتعتبر عادته ، حل محلّ الحادث عند ادعاء النبوة ، كالإحياء وغيره ؛ فيجب أن يكون دالّا على النبوة .
فإن قال : وكيف نعرف أنه لم يظهر إلا عليه ، بأن يعلم أنه الّذي فعله ، أو أنه تعالى فعله عند مسألته ؟ وإذا كان كلا الوجهين يفسد عندكم لأن من قولكم : إن المحكى هو فعله تعالى ، دون المسموع من قبله عليه السلام ؛ ومع ذلك ، فتقولون إن ذلك ، وإن كان فعله ، فكأنه ليس بفعل له ؛ ولذلك صح أن يدل على النبوة . فكيف يصح أن تقولوا : إنه ظهر عليه ، ولا يمكن أن يحصل لذلك معنى ولا فائدة ؟
قيل له : لسنا نعنى بذلك كونه فاعلا ، ولا أنه فعل منه تعالى ، وإنما نعنى بذلك
هامش
( 1 ) سقط هذا الحرف من « ب » .