وبعد ، فإن الصغير في ذلك ربما يكون أوكد في كونه معجزا ودالّا على الإبانة ؛ لأنه لصغره يبعد دخول الشبهة في صحة التوصل إليه بالآلات « 1 » وما يجرى مجراها . ولذلك قد يتأتى منا العظيم من الأمور ، ويتعذر الصغير ، كما يتأتى القليل من الأمر ويتعذر الكثير .
فالتفرقة في ذلك تدل على وجه دلالة المعجزات على النبوات . وهذا يبين أن هذا الخلاف من جنس الأول ، في أن القوم أتوا فيه من الجهل بوجه دلالة المعجز . وبعيد ممن يخالف في ذلك أن يكون عالما بالنبوات .
وليس لأحد أن يقول : إن ذلك بمنزلة دلالة الفعل المحكم على علم فاعله الّذي فارق قليله فيه كثيره . وذلك لأنّ ، هناك « 2 » ، علمنا صحة المشاركة في القليل من سائر القادرين ، وأن الكثير يتعذر إلا على بعضهم ، فعلمنا أنه يدل على علم فاعله .
وليس كذلك حال صغير الحيوان ؛ لأنه في باب تعذر إعادته حيّا ، بمنزلة الكبير منه . وليس للكبر والصغر تأثير في ذلك . فيجب أن تكون دلالتهما سواء ، وأن يحلّا ، في ذلك ، مجل دلالة الفعل على أن فاعله قادر ، الّذي يتساوى فيه القليل والكثير .
فأمّا فلق البحر فلا شك أنه مما يقدر العباد على مثله في الجنس . وإنما صار معجزا ، لتعذره عليهم ، في الوجه الّذي وقع عليه . لأنه لا يصح من العباد أن يحجزوا بين الماء العظيم بالسد والحاجز . فهو من باب الجمع ، والتفريق ، والتحريك ، والتسكين ؛ والعباد يقدرون على كل ذلك بالآلات . فلما وقع منه تعالى ، لا على هذا الوجه ، دلّ دلالة إحياء الموتى . فكذلك القول في سائر ما يحل هذا المحل .
وقولهم / : إن ذلك يقتضي قلب طبع الماء لا وجه له ؛ لأن قلب طبعه ، إن كان يراد به الفصل من غير حاجز ، فيجب أن يكون قلب طبعه مقدورا لنا لكنه إنما يصح منا بآلة . ولا فرق بين من قال ، في ذلك ، إنه قلب الطبع ، وبين من قال ، في سائر ما نقول :
إنه يدل على هذا الوجه ، إنه قلب الطبع ، كمجىء الشجرة ، وتسبيح الحصى ، وكالقرآن الّذي ظهر تعذّر مثله على أهل البصر والمعرفة بذلك .
هامش
( 1 ) في « ب » : « الآيات » .
( 2 ) سقطت هذه الكلمة من « ب » .