الأمر الّذي لا يصح ذلك فيه . لأن له أن يقول : « لو لم أكن صادقا فما أدعيه من النبوة ، لم يصح أن أخرج عن الحد الّذي كنت مشاركا لكم فيه ، فيما يتأتى ويتعذر ؛ فخروجى عن هذه الطريقة / ، فيما ظهر عليّ ، يدل على أنه تعالى حمّلنى ما ادعيته من الرسالة ، وصدّقنى بما آتاني به من المعجز » ؛ فيكون ذلك أوقع في نفس السامع من أن يكون المعجز الظاهر عليه ما لا يصح الاشتراك في قليله ولا كثيره ، ولم تتقدم لهم فيه عادة خرج هو عن مماثلتهم فيها إلى طريقة المباينة .
وبعد ، فقد بيّنا ، في غير موضع ، أن المعتبر في الدلالة بالوجه الّذي عليه يدل ، دون ما عداه من الصفات . وعلى هذا الوجه ، قلنا في الألوان إنها دالة ، من حيث كانت حادثة والجسم لا يخلو منها ، ولم نعتبر فيها الجنس والصفة . وكذلك القول في دلالة الفعل على حال فاعله ، أن المعتبر فيه بحدوثه ، ووقوعه بحسب أحواله . فإذا صح ذلك ، وكان وجه دلالة إحياء الموتى هو تعذر فعل مثله على العباد ، مع انتقاض العادة به ، ليعلم أنه من جهته تعالى على طريقة التصديق ، وكان هذا الوجه ثابتا فيما يتعذر فعل مثله في صفته ، كالطيران في الهواء بلا آلة ، وكالمشي على الماء ، وكطفر حافتي البحر ، وكنقل الجبال الراسيات ، وكالإخبار عن الغيوب ، إلى غير ذلك - فيجب أن تكون دالة لثبوت وجه الدلالة فيها . ولا فرق ، والحال هذه ، بين من قال : إن الّذي يدلّ على ذلك بعض « 1 » ما يتعذر على العباد فعله ومثله في الجنس دون بعض .
وقد ذهب إلى ذلك قوم ، وزعموا أن الّذي يدل ، في هذا القبيل ، على صدق المدّعى للنبوة ما كبر من المعجزات دون ما صغر . فزعم أن صغيرها يجوز أن يظهر على غير الأنبياء من الفاضلين والصالحين ، وظن أن إحياء الموتى من الناس بخلاف إحياء الذرّة والنملة ؛ وجهل وجه الدلالة في ذلك ؛ لأنه لا فرق بين الأمرين ، في كونه ناقضا للعادة ، ووقوعه من جهته تعالى ، وتعذّره على العباد . فكيف يصح أن يفصل « 2 » بين الصغير والكبير في ذلك ؟
هامش
( 1 ) في « ا » ، « ب » : « نقضي » ولا يتفق مع سياق الجملة .
( 2 ) في « ب » : « يفعل »