تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
[ وزعموا أنه تعالى لا يجوز ، إذا أرسل رسوله لإزاحة العلة في المصالح ، أن يدع ما هو الأقوى ] « 1 » في الدلالة ، وما يبعد عن الشبه ، ويدلّ على صدقه بالأمور التي تتطرق الشّبه إليها . فلو كان ما لا يقدر العباد على فعل مثله في صفته / يدل أيضا ، لقد كان الواجب فيه تعالى ألا يدلّ إلا بالأمر [ الأوكد الأبعد ] « 2 » من الشبه واللبس . وزعم بعض اليهود غير هذا المذهب - وقد عورض بفلق البحر ، وأنه مما لا يقدر العباد على جنسه - أن ذلك يتضمن قلب الطباع ، فهو بمنزلة ما لا يقدر العباد على مثله ؛ لأن من طبع الماء الاتصال ، مع رفع « 3 » الحواجز . فإذا ظهر على يد موسى عليه السلام فلق البحر ، فقد حصل فيه من الطبع ما يزيد على الجنس ، الّذي لا يتأتى من العباد فعل مثله البتة . فأين ذلك مما جعلتموه دلالة كتسبيح الحصى والقرآن ، وذلك مما يفعله العباد دائما وعادتهم مستمرة بمثله . وبعد ، فإنّ من حق المعجز أن يكون قليله ككثيره في التعذّر ، وذلك لا يتأتى إلا فيما ذكرناه من الجنس الّذي لا يقدر عليه من قلب الطباع . فأما غير ذلك فإن قليله مقدور للعباد ، ممكن منهم فعله ، والعادة جارية ، في مثل هذه الأمور ، أن الناس يتفاضلون فيه ؛ ولا يمتنع أن يكون لبعضهم مزية . فكيف يصح أن يجعل ذلك دلالة على النبوة ؟ واعلم أن هذا [ كلام من ] « 4 » لا يعرف وجه دلالة المعجز ؛ لأنا نعلم أن الّذي لا يقدر العباد على مثله في جنسه لا يدل على النبوة من هذا الوجه ؛ لأن ما جرت العادة بمثله بمنزلة ما لم تجر العادة به ، في أن العباد لا يقدرون على مثله في جنسه . وقد دلّ أحدهما دون الآخر ؛ فعلم أن المعتبر ، في كونه دالّا ، بأن يكون ناقضا للعادة ، مع أنه من قبله تعالى . ولو صح أن يعلم أنه بهذه الصفة ، والعباد يقدرون على مثله في جنسه ، لوجب
هامش
( 1 ) جملة مكررة في « ب » . ( 2 ) في « ب » : « إلا وكذلك الأبعد » . ( 3 ) في « ب » : « دفع » . ( 4 ) في « ب » : « كالأمرين » .