أن يكون دالّا . لكنه لما لم يمكن أن يعلم من حاله ما وصفناه إلا إذا كان العباد لا يقدرون على مثله في الجنس ، وجب اعتبار هذا الشرط .
وقد علمنا أنه لا فصل ، في هذا الباب ، بين الجنس والصفة ، فيجب أن تكون الحال واحدة ؛ لأنا نعلم أن العباد ، وإن كانوا يقدرون على الحمل والتحريك ، فلما يقدرون عليه حد مخصوص . فإذا ظهر ، عند ادعائه للنبوة ، منه تعالى نقل الجبال الراسيات ، وقلب المدن والأمصار ، والطيران في الهواء بلا جناح ، إلى غير ذلك ، صار هذا في باب أنا نعلم ، عنده ، أنه ليس من قبل العباد ، وأنه ناقض للعادة بمنزلة إحياء الموتى .
يبين ذلك أن خروج الناقة من الجبل « 1 » بمنزلة خروجها من بطن أمها ، لكن العادة في هذا منتقضة ؛ فدلّ على صدق المدعى للنبوة بهذه الجملة ؛ فكذلك القول فيما ذكرناه . وهذا يبيّن [ أن ] المعتبر بأن يكون من قبله تعالى ، على وجه تنتقض العادة به . فإذا كنا نعلم أنه من قبله تعالى ، بأن يتعذّر فعل مثله في صفته ، صار كما يعلم أنه من قبله ، إذا تعذّر مثله في جنسه ، والعادة في الوجهين منتقضة ، فالحال واحدة في الدلالة .
وبعد ، فلو قيل : إن هذا الوجه أقوى في الدلالة لكان أقرب ؛ لأنه من الباب الّذي يصح الاختبار فيه ؛ فيعرف القادر منا ، عند الاختبار ، ما الّذي يتأتى منه ، وما الّذي يتعذر عليه ، مع توافر الدواعي ؛ فإذا علم من غيره أنه ، مع دواعيه ، يكفّ عن فعله ، علم أن ذلك للتعذر . فالطريق الّذي به نعلم تعذّر مثله علينا أو كد من الطريق الّذي به نعلم تعذّر الأجناس علينا . فإذا صحّ ذلك فكيف يجوز ، فيما تعذّر مثله في الجنس ، أن يكون دالّا ، دون ما ذكرناه ؟
وبعد ، فإذا كان انتقاض العادة ، فيما يصحّ من العباد ، كان أقوى في إبانة النبي منهم ؛ لأنه قد بان منهم في الأمر الّذي يصح فيه الاشتراك ؛ فهو أدل على الإبانة من
هامش
( 1 ) معجزة صالح عليه السلام .