فصل في أنه لا فرق بين أن يتعذر عليهم فعل مثله في جنسه أو في صفته
اعلم أنّ في الناس من يزعم أنه لا يدلّ على النبوة إلا ما يتعذّر على العباد فعل مثله في الجنس ، كقلب العصا حية ، وإحياء الموتى ؛ وإبراء الأكمه والأبرص ؛ وجعلوا ذلك طعنا فيما ندعيه من دلالة القرآن على نبوة محمد ، صلى اللّه عليه ، من حيث كان العباد يقدرون على مثله في جنسه ؛ وزعموا أن القدرة ، إذا كانت متعلقة بذلك ، كان داخلا تحت مقدور العبد . فمن أين أن المدعى للنبوة لم يفعله ؟ وما الأمان من أنه قد قد اختصّ بآلة ، أو لطيفة ، أو ضرب من الحيلة معها يمكنه أن يفعل ذلك ، إذا كان في مقدوره ؟ فكيف يصح ، فيما هذا حاله ، أن يكون دالّا على النبوة ، وإنما يدل عليها ما قد علم استحالة تعلق القدرة به ، من الجواهر ، والحياة ، والألوان ، وما شاكلها ؟
وزعموا أنه ليس ، في جملة معجزات محمد ، صلى اللّه عليه ، الظاهرة ما هذا حاله ؛ لأن مجىء الشجرة « 1 » وكلام الذئب ، وتسبيح الحصا « 2 » وحنين الجذع « 3 » من جنس ما يقدر عليه العباد . وكذلك القول في إطعام الكثير من الطعام اليسير « 4 » ؛ لأن ذلك لا يحصل فيه إلا الجمع والإحصار . « 5 » وكذلك القول في إجماع الماء الكثير من الميضأة عند الحاجة إليه « 6 » إلى غير ذلك .
هامش
( 1 ) ( انظر الجزء السادس عشر من المغنى : إعجاز القرآن ص 418 ) أشار إليها المؤلف في « الجزء السادس عشر » تحقيق الأستاذ أمين الخولي ص 407 ، 408 .
( 2 ) انظر نفس المصدر ص 417 - وروى ثابت أن أنس بن مالك قال كنا جلوسا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخذ كفا من حصى فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح ، ثم صبهن في يد أبى بكر الخ شرح البيجورى على الجوهرة ص 127 .
( 3 ) حنين الجذع أشار إليه المؤلف في الجزء السادس عشر - المصدر السابق ص 416 ، وانظر أيضا البخاري ج 2 ، ص 168 وشرح البيجورى على الجوهرة ص 128 .
( 4 ) الجزء السادس عشر من المغنى ص 415 ، 416 . البخاري ج 2 ص 167 .
( 5 ) معناها التضييق ، والحبس عند السفر ، وغيره ، كالحصر . « القاموس المحيط » .
( 6 ) انظر « إعجاز القرآن » من المغنى الجزء السادس عشر ، ص 413 ، وقد حدث ذلك في بعض الغزوات - انظر أيضا البخاري ج 2 ص 166 ، وص 167 .