في جنسه أو صفته ، فلا بد من أن يكون بهذه الصفة ، حتى يقع موقع التصديق ، ويصح أن يكون دالا على صحة دعواه .
يبين ذلك أنه لو جاز أن يكون من قبله ، فيما يجوز أن يكون دلالة على صحة دعواه ، لصحّ ، فيما يكون من قبل غيره من العباد ، مثله . فلما لم يجز ، فيما يقع من غيره من العباد ، أن يكون دلالة على صدقه في دعواه ؛ لأنه لم يدع عليه ، وإنما ادعى التحمل للرسالة من قبله تعالى ؛ فكذلك القول فيما يكون من قبله .
يبيّن لك أن زيدا إذا قال لعمرو : « أنا رسول خالد « 1 » فالتمس منه الدلالة » ، فالذي يجوز أن يدلّ على صدقه ما يقع من قبل خالد ، دون ما يقع من قبله وقبل غيره .
فكذلك القول فيما ذكرناه .
وبعد ، فقد علمنا أنّ ما يقع منه تعالى ، مما لا يقدر أحد عليه ، لكنه من باب المعتاد ، لا يجوز أن يكو دالّا على صدقه ، فيما ادعاه من النبوة ؛ فبألا يجوز أن يدلّ على ذلك ما يكون معتادا من العباد أولى بذلك .
فإن قال : إنا لا نجوّز أن تدل ، على صدقهم ، الأمور المعتادة .
قيل له : إن كل أمر صحّ من العبد أن يفعله ، وإن قل ظهوره ، فهو معتاد ؛ لأن المشاركة من غيره تصح فيه ، بأن يقف على شبهه ووجه الحيلة فيه . [ وإنما يفعل لعلة الرغبة ] ، والدواعي في ذلك ، ويكثر لكثرتهما . فإذا صحّ ذلك حلّ محل المعتاد من هذا الوجه .
فإن قال : إنما أجوّز ذلك ، إذا كان مما لا تقع فيه المشاركة .
قيل له : إن ذلك ، إن صحّ ، فإنه يدل على النبوة عندنا ؛ لأنه يقتضي أنه تعالى أبانه بأمر من الأمور معه تصح أن يأتي بما يتعذر على غيره ، من علم أو آلة ، إلى غير ذلك ؛ ليعود الحال في ذلك إلى أنه من قبله تعالى ، أو متعلق بأمر هو من قبله ، فيصير بمنزلة مدعى النبوة ، إذا جعل دلالته على ذلك نقل الجبال وطفر البحار ؛ لأن ذلك ، وإن كان من قبله ، فإنه يدل على قدرة عظيمة تنتقض بمثلها العادة . وهذا ممّا تجده مشروحا ، من بعد ، إن شاء اللّه .
هامش
( 1 ) في « ا » : « خلد »