فصل فيما يجب أن يختص به الرسول في الرسالة وسائر الأحوال
اعلم أنه لا بدّ من الرسالة يتحملها عن اللّه تعالى . ولا بد من أن يقبل ذلك ، ويوطن نفسه على أدائها ، على الحد الّذي ألزمه ، وأن يصبر على كل عارض دونه ، وإذا تحمل ذلك ، وفعل ما ذكرناه ، فلا بدّ من أن يدّعى الرسالة ويدعو « 1 » المبعوث إليه إلى القبول منه ، فعند ذلك لا بدّ من أن يظهر تعالى عليه ما يدلّ على حاله ، ليلزم الغير القبول منه ، بإظهار المعجز ، لأمر يرجع إلى المبعوث إليه ، لا إلى كونه رسولا فقط . ولو جاز ، من جهة العقل ، أن يحمّله رسالة لا يلزمه تأديتها ، لما وجب إظهار المعجز عليه ، وإنما كان يجب إظهار المعجز الأول على من هو رسول اللّه ، أو عند مخاطبة اللّه تعالى إياه . فالذي له يكون رسولا هو الّذي قلناه أولا ، والّذي له يلزم القبول منه هو ظهور المعجز عند الادعاء والدعوة . ولا يجوز أن يبعث رسولا إلى غيره ، وإن كان ذلك الغير قد يقل ويكثر ، ولا بد من أن يكون متحملا لما يؤديه إلى ذلك الغير ، قل ما يتحمله أو كثر ، ولا بد من كونه صلاحا للمؤدّى إليه ، لأنه المقصد .
فأما كونه صلاحا لنفس الرسول ففيه كلام سنذكره ، كما أن الرسالة :
هل يجب أن تكون مما لا يعلم إلا منه ، أو يجوز أن تكون مؤكدة ؟ فيه خلاف سنذكره ولما تعلقت الرسالة به ، وبالمبعوث إليه ، وتعلق تصحيحها بالمعجز ، وجب أن تكون الصفات ، التي عليها الرسول ، لا تقدح في كل ذلك . ولا يكون كذلك إلا والمعلوم من حاله أنه يتكفل بأداء الرسالة ، ويصبر على عوارضها ، ويكون المعلوم أنه يفي بذلك ، ولا يكتم ، ولا يغير ، ولا يؤخر الأداء عن وقته ؛ ويكون المعلوم أنه يفعل ما ينفّر عن القبول منه ؛ ويجب ، فيما يرجع إلى المبعوث
هامش
( 1 ) في الأصل : « يدعو » .