فإن قلتم بذلك فبينوه ؛ وإن امتنعتم منه ، فكيف يصح أن يكون المعجز ما يقع على أحد / الوجهين دون الآخر ، ولا يمكن التمييز بينهما بحد فاصل ؟ أوليس ذلك يدخل الدلالة في حد الجهالة ، وأن تكون غير متميزة للمستدل مما لا يدل ، وإن كانت ملتبسة بالأمور التي لا يصح أن تكون دلالة ؟
قيل له : إن وجه الدلالة ربما يصح الوقوف عليه ، وإن لم نحدّ ما يخرج به عن خلافه . أو لا ترى أن الفعل « 1 » المحكم يدل على كون فاعله عالما ، وإن لم نحدّ ذلك بقدر ؛ لكنه إذا علم ، في الجملة ، بلوغه مبلغا يتعذر مثله ابتداء على سائر القادرين علم « 2 » صحة دلالته ، من حيث عرف هذا من حاله ، وإن لم نحدّه بقدر مخصوص ، فكذلك القول فيما ينقض العادة لأن الصفة فيه معروفة ، وإن لم يحدّ بحد يميزه من المعتاد ، حتى نصف كل واحد منهما بقدر وعدد لا يقع فيه الزيادة والنقصان .
فإن قال : إنكم ، في ابتداء الكلام ، ذكرتم أن العادة ، التي يصير المعجز ناقضا لها ، يجب أن تكون مضافة إلى اللّه تعالى ، [ دون غيره ] « 3 » ؛ وذلك لا يتأتى منكم في كل المعجزات ؛ لأن القرآن ، خاصة ، ينقض عادة أهل الفصاحة والبيان ، وتلك العادة من قبلهم ، فكيف يصح ما ذكرتموه ؟
قيل له : قد بيّنا أنها يجب أن تكون من قبله تعالى في الحقيقة ، أو كأنها من قبله ، وما يختص به أهل اللسان من قدر ما يتأتى منهم من الفصاحة متعلق بعادة من قبله تعالى . فلا فرق بين أن تكون هي من قبله ، أو ما يتعلق بأمر يكون من قبله ؛ لأنه تعالى هو الّذي يخصهم بالعلم الّذي معه يتمكنون من الفصاحة . فإذا جرت العادة بذلك القدر من العلم ، ثم ظهر على رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، ما لا بدّ فيه من زيادة على هذا العلم وجب كونه معجزا ، وحلّ ذلك محل مقادير ما يمكن العباد من
هامش
( 1 ) في « ب » : « الفصل »
( 2 ) في « ب » : « على » .
( 3 ) مكرره في « ب » .