وأوجب فيه كونه عادة مستمرة ؛ وحدوثه بعده لم يوجب ذلك فيه ، فأين أحد الأمرين من الآخر ؟
وقد ذكر « أبو هاشم » ، رحمه اللّه ، عند هذا الكلام ، انقضاض الكواكب ، وتواتر حدوثه بعد الرسول ، صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كان من جملة معجزاته . وأجاب عن ذلك بأن المستمر منه ليس على الطريقة التي كان معجزا ؛ لأن المعجز منه كان الكثير الخارج عن العادة ، ثم عاد إلى العادة بعده ، صلى اللّه عليه وسلم . وأجاب عن ذلك أيضا بأن المعجز منه في أيامه ، صلى اللّه عليه وسلم ، يجوز أن يكون انقضاضه « 1 » على وجه يكون رجوما للشياطين الذين كانوا يسترقون السمع . فحدوثه كذلك تضمن الأعجاز . والمستمر منه بعده ، صلى اللّه عليه ، ليس بواقع على هذا الوجه ؛ فكيف يصح أن يقدح ذلك في هذا الباب .
فإن قال « 2 » : أليس قد حدث بعده ، صلى اللّه عليه ، كثير من الأمور التي خبّر بكونها مما يجرى مجرى الغيب ، كما حدث مثله في أيامه ، وهذا نقض لما قلتم ؟
قيل له : إن الإعجاز في باب الإخبار عن الغيوب ليس هو حدوث المخبر عنه ، ولا نفس الخبر ، وإنما هو اختصاصه بالمعرفة التي معها يمكنه الصدق في الإخبار عن الغيوب ، ويعلم بذلك أنه تعالى خصّه بذلك العلم ، من حيث علم من حاله أنه مما لا يجوز أن يكون [ إلا من ] « 3 » قبله تعالى ، لخروجه « 4 » من أن يتوصل إليه بطرق الضرورة والاستدلال . وذلك يمتنع من الاعتراض به على ما قلناه . وسنرتب القول ، في باب الدلالة على الإخبار عن الغيوب ، ترتيبا تتضح به الجملة التي ذكرناها ، فيما بعد ، إن شاء اللّه .
فإن قيل : إذا قلتم : إن الّذي يدل على النبوات ما ينقض العادة ، دون الأمور المعتادة ، أتحدّون ، في التفرقة بينهما ، حدّا يتميز به أحد الأمرين من الآخر ؟
هامش
( 1 ) في « ب » : « انقطاعه »
( 2 ) في « ب » : « قيل » .
( 3 ) في « ب » : « الأمر » .
( 4 ) في « ب » : « خروجه » .