قيل له : إنه لا يجوز في المعجز / أن يدوم حدوثه ، سواء انتهى إلى هذا الحدّ أو لم ينته إليه ؛ لأن ، على الوجهين جميعا ، يقع فيه التنفير .
يبين ذلك ما نقوله من أن المعجز لو كثر ، حتى صار في حكم ما يحدث للمصلحة ، لكان في ذلك مفسدة . وهو أحد ما اعتمدناه في المنع من ظهوره على الصالحين وغيرهم ؛ لأنا بينا أنه لو جاز ذلك منه ، لحل محل الأسقام وسائر الأمور المعتادة . فإذا صح ذلك استقام ما قلناه . هذا إذا لم يصر الحادث منه في حكم الباقي ؛ لأن الّذي ذكرناه من جواز بقاء « 1 » المعجز لم نرد به أن يبقى بعينه ، وإنما أردنا بذلك استمراره ، حتى يجرى مجرى الباقي ؛ لأن القرآن مما لا يجوز البقاء عليه ، لكون حدوثه على الأوقات كبقائه ؛ لأن المعتبر هو بصنعته ، وصورته ، والترتيب الّذي هو مخصوص به . فإذا كان في المعجزات ما يحل هذا المحل لم يمنع منه أن يحدث ، حالا بعد حال . فلو جعل بعض الأنبياء دلالة نبوته شهوة لأمور خارجة عن العادة لصح أن يستمر ، ويكون حدوثها كبقائها في هذا الباب .
فإن قال : فبما ذا ينفصل هذا المعجز ، إذا حدث على الأوقات ، من الأمر الّذي المقصود « 2 » به أن يفعل ليصير عادة ؟
قيل له : بفرق بيّن ؛ لأن ما يقصد به تقرير العادة لا تتقدمه . وهذا المعجز لا بدّ من أن يتقدمه ما بحدوثه يصير ناقضا له من العادات . وهذا يبين وضوح التفرقة بين الأمرين ، وأن أحدهما لا يلتبس بالآخر .
فإن قال : إذا كان حدوث مثل المعجز قبل الرسول يخرجه من أن يكون دالا ، فكذلك القول في حدوثه بعده .
قيل له : إن حدوثه ، من قبل ، أخرج « 3 » المعجز من أن يكون معجزا ،
هامش
( 1 ) في « ا » ، : « بقا » ، وفي « ب » : نقى » .
( 2 ) في « ب » : « المعصوم »
( 3 ) في « ب » : « إخراج » .