وبعد ، فإن كون ذلك الشيء ناقضا للعادة مستمرا في المستقبل ، لا يخرجه من أن يكون ، عند حدوثه ابتداء ، ناقضا للعادة فلا يصح ، والحال هذه ، أن يقال لها عادة بعد عادة ، لأنه لا يصير عادة ، إلا وعند ابتدائه ، حصل ناقضا للعادة . فلا بدّ أن يتخلل ، بين العادتين ، نقض عادة ، فكيف ما سأل عنه ؟
فإن قيل : أفتجوّزون أن يظهر اللّه تعالى المعجز على الرسول ، دلالة على صدقه ، ثم يستمر حدوث ذلك في المستقبل ، حتى يصير عادة ، بعد أن كان ناقضا للعادة ؟ / فإن جوّزتم ذلك لزمكم ، في ذلك المعجز ، ألا يكون دالا على رسول ثان ، ولزمكم تجويز ظهوره على الصالحين . وإن منعتم ذلك فقد نقضتم ما قدّمتموه ، من أنه لا يمتنع أن يصير ، بعد « 1 » نقض العادة ، عادة مستأنفة .
قيل له : إنا لا نجيز ، في المعجز الناقض للعادة ، أن يحدث ، على الدوام ، في المستقبل ؛ لا لأمر يرجع إلى أنه لا يجوز أن يصير نقض العادة بالاستمرار عادة مستأنفة ، لكن لأن ذلك يقتضي التنفير والمفسدة . فلا بدّ منه ، تعالى ، أن يجنبه الأنبياء عليهم السلام .
فإذا لم يتم ذلك إلا بأن لا يديمه ، وجب القطع على أنه تعالى لا يديم ذلك . وهذا هو الّذي اختاره شيخنا « أبو عبد اللّه » رحمه اللّه . فأما شيخنا « أبو هاشم » ، رحمه اللّه ، فإنه منع من حدوث ذلك ، من حيث يجرى مجرى القدح في دلالة الإعجاز ؛ وفصل بينه وبين بقاء المعجز ، بأن بقاءه « 2 » لا يقتضي هذا المعنى ؛ لأنه الحادث الأول ، وليس كذلك إذا حدث ذلك على الأوقات ، حالا يعد حال .
ونبين ، بهذه الطريقة ، أن بقاء القرآن لا يؤثر في دلالته ؛ بل يقوى ذلك ، وأنه تعالى لما أراد إدامة التكليف بشريعة الرسول جعل المعجز ، الدال على نبوته ، يبقى على الأوقات ، ويزداد وضوحا . ولو أن مثل الناقة التي ظهرت على يد صالح عليه السلام دام خروجها من الجبل . لكان ذلك يقدم في دلالة الأول على نبوّة صالح « 3 » .
هامش
( 1 ) سقطت هذه الكلمة من « ب »
( 2 ) في « ا » ، « ب » « بقاه » .
( 3 ) في « ب » : « صلح » .