تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
قيل له : إن من حق [ نقض ] العادات أن يظهر فيمن العادة عادة له . وإذا وجب ذلك فيها لم يجوّز أهل تلك العادة خلافه بفقد « 1 » طريقة العلم وطريقة الظن ، ولم يتقرر في أنفسهم سواه . فإذا كان هذا حاله فالتجويز لا معتبر به . فمتى ظهر المعجز على الرسول ، والحال هذه ، ينقض تلك العادة ، فيجب كونه دالا للوجه الّذي بيّناه في دلالة المعجزات . وإذا صح ذلك لم يعتبر التجويز « 2 » الّذي ذكره السائل ، وكان وجوده كعدمه في هذا الباب ؛ لأنه إنما يكون له حكم إذا غيّر العادة . فأمّا إذا لم يغيّر العادة ، و [ لم ] « 3 » يغيّر حال أهل العادة ، فيما عرفوه ، فوجوده كعدمه . يبين ذلك أن عادة غيرهم لا يعتدّ [ بها ] « 4 » لما لم تتغير حال العادات المتقررة في نفوسهم . فكذلك القول في الأمر المجوّز لأنه لا يؤثر ، لأنه أقل تأثيرا من العادة الظاهرة في غيرهم ؛ فبأن « 5 » لا يعتد به أولى . فإن قيل : أليس أهل العدل يجوّزون منه تعالى إحداث عادة مخالفة للعادة المتقررة فيهم ، لأمر تقتضيه الحكمة ، كما يجوّزون ابتداء العادات ؟ أفليس هذا التجويز يمنع من الاستدلال بالمعجز ، من حيث يجوّزون أن يكون تعالى قد أظهره ، ليجعله عادة ثانية ، وصادف ظهوره دعوى من ادعى النبوة ، وإن لم يكن صادقا ؟ قيل له : لا بدّ من أن يخطر بقلوبهم - إذا كانوا قد استدلوا على اللّه تعالى وعرفوه ، وعرفوا العادات - كيف تدل الأدلة على النبوات . وإذا وجب ذلك لم يجوّزوا ظهور ذلك إلا عند إرسال الرسل ؛ لأن ما ذكرناه دلالة لهم على أنه تعالى لا يجوز أن ينقض العادة إلا بهذا الوجه . فيصير نقض العادة ، لا لهذا الوجه ، بمنزلة العبث . ويجب ، بهذه الطريقة ، أن نمنع من هذا التجويز ، كما نمنع من تجويز المذاهب الباطلة ، للأدلة العقلية الدالة على فسادها ؛ ونقول في المجوّز إنه مبطل مفارق لطريقة الأدلة ، أو نعلمه باضطرار . فكذلك القول فيما سألت عنه .
هامش
( 1 ) في « ب » : « مقعد » . ( 2 ) في « ب » : بالتجويز » ( 3 ) في « ا » ، « ب » : « لا » ونرجح « لم » حتى يتسق السياق . ( 4 ) في « ا » ، « ب » : « به » ( 5 ) في « ب » : « منار » .