قيل له : إن الوجه ، الّذي عليه يدلّ الدليل ، ربّما عرف ، على طريق الجملة ، وصح الاقتصار عليه ؛ وربّما احتيج إلى معرفته ، على طريق التفصيل . والمعجز يكفى ، في دلالته ، أن يعلم كونه ناقضا للعادة على جهة الجملة ، ولا يجب حصر العادة بأكثر من أن يعلم منها أنها عادة . وهذا كما تقول في الفعل المحكم أنه يدلّ ، بكونه محكما ، على أنّ فاعله عالم . ولا يجب حصر القدر الّذي يدل ، وإنما « 1 » يرجع فيه إلى الجملة . فكذلك القول في المعجزات .
وقد فصل العقلاء بين الأمور المعتادة وبين خلافها ، من غير أن تعتبر في ذلك المقادير ، [ كما فصلوا بين الجملة الحية وبين ما لا يصح أن تكون حية ، من غير اعتبار المقادير ] « 2 » ، وكما « 3 » فصلوا بين الجماعة التي لا يصح أن تكذب في الإخبار عن مخبر واحد وبين غيرها ، من غير العلم بالتفصيل ؛ وكل ذلك لا يمنع من صحة هذه الأمور .
فلا بدّ ، إذا أراد اللّه تعالى أن يقيم الحجة من جهة الرسول ، أن يقدّم قبل ذلك العادات ويجعلها مستمرة ، ويقرّر في النفوس معرفة حالها ، حتى إذا ظهر المعجز ، الّذي ينقض العادة ، يكون قد أزاح العلة ، وأقام الحجة .
فإن قال : أليس أهل / العقول يجوّزون حدوث أمور لا يقفون عليها ، من حيث يقل ظهورها ، وتجب الدواعي في إظهارها ؟ فكيف يصح ، مع تجويزهم ذلك ، أن يعرفوا انتقاض العادة بالمعجزات ؟ فهلّا جوّزوا حدوث أمثالها ، بحيث لا يعرفون ، وعلى وجه لا يجب نقلها إليهم ، ولا يتفق ذلك فيها ؟ فكيف يمكن ، مع تجويز ذلك ، الاستدلال بالمعجزات ؟
فإن قلتم : إنه لا يصح كونها دالة إلا وقد تقدم للعقلاء العلم بالمنع من ذلك . فقد علمتم أن العقل ، إذا لم يدل على المنع من أمر ، فلا سبيل إلى المنع منه إلا بخبر . وإذا لم يجب ثبوت الخبر ، فكيف يصح القطع على أهل العقول بأنهم يعرفون ، قبل « 4 » النبوّات ، امتناع ذلك ؟
هامش
( 1 ) في « ب » : « فإنما »
( 2 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب »
( 3 ) في « ب » : « كما » .
( 4 ) في « ب » : « مثل » .