ما يلزمه نفى القديم تعالى ، من حيث يجتهد في تثبيته عند نفسه ؛ لأنه يظن أنه متى لم يثبته مشبها للأشياء كان نافيا له ؛ فتبين له ، عند ذلك ، أنه مجتهد في نفيه من حيث يظن أن مجتهد في إثباته . وهذا طريقة أكثر المخالفين في العدل والنبوات في أنها تجرى هكذا .
فإن قال : إنما يتم ما ذكرتموه متى ثبت للحكيم « 1 » طريقة في أفعاله ؛ فيصير ، بتلك الطريقة الثابتة « 2 » - فيما يدل فعله عليه ، بمنزلة ما يدل من حيث المصلحة .
قيل له : قد بينا ، في « باب العدل » ، أن للقديم تعالى طريقة ، في « باب الفعل » وأنه لا يجوز أن يفعل القبيح ، ولا ما يثبت فيه وجه من وجوه القبح ، وأنه لا بد من أن يفعل الواجب وما يجرى مجراه . فإذا صح ذلك « 3 » صارت هذه الطريقة مقتضية ، في أفعاله ، أن تكون دالة ، على الطريقة التي ذكرناها .
يبين ذلك أنا لو علمنا ، بعقولنا ، من حال بعض القادرين منا أنه لا يختار من الخبر إلا صدقا ، لكانت أخباره دالة ، لا لأنها لا تصح أن تقع منه إلا كذلك ، كما لا يصح أن يقع الفعل إلا من القادر ؛ بل لأنا نعلم أنه لا يختارها إلا كذلك .
فقد صح أن دلالة العقل على ما يدل عليه لا يجب أن تكون مقصورة على وجه الصحة ، دون وجه الاختيار .
ولهذه الطريقة مثال يمكن أن يبين على البراهمة ؛ لأنا نعلم ، بالعادة ، من الجمع العظيم أنهم لا يختارون الكذب في خبر يجتمعون عليه ، إذا كان على شرائط مخصوصة ، نذكرها في « باب الأخبار « 4 » » ، وإن صحّ من كل واحد منهم أن يخبر بالكذب ، ولم يمنع ذلك من أن تعلم ، بخبرهم « 5 » ، صحة المخبر ، وبخبر أمثالهم . وكذلك [ القول ، في العادات التي تتفق في الجمع العظيم أو تختلف ، إن ذلك قد يكون دالة ، وإن صح معهم خلافة ، فكذلك ] القول فيما ذكرناه من دلالة المعجز .
هامش
( 1 ) في « ب » : « الحكم »
( 2 ) في « ب » : « الثانية » .
( 3 ) في « ب » : « لك »
( 4 ) وهو في هذا الجزء الخامس عشر من المغنى ابتداء من ورقة 82 ب .
( 5 ) في « ب » : « لخبرهم » .