كون خطابه تعالى قبيحا . فإذا صح ذلك في التصديق فالواجب مثله في المعجز ؛ بل المعجز في بابه أقوى من التصديق ؛ لأن طريقة المواضعة فيه كطريقة الحقيقة ، ولا يدخله المجاز . فيجب أن يكون مشبّها بالكلام ، ولو لم يصح دخول المجاز فيه . فإذا وجب - لو كان هذا حاله - أن يحمل على ظاهره إذا صدر من الحكيم ، فكذلك القول في المعجزات . وكما لا يجوز أن يقال في التصديق إنه تعالى فعله إذا تجرد لضرب « 1 » من المصلحة ، لا للتصديق ، فكذلك القول في المعجز .
يبين ذلك أنه ، تعالى ، لو أراد الاستفساد بتصديق الكذاب ، كان لا يزيد على ما يفعله من ذلك ، لو لم يكن المقصد وجه التصديق . فكذلك القول في المعجز ؛ لأنه ليس في الفعل المتعلق بالدعوى أو كد من المعجز ، كما ليس في القول المتعلق به أو كد من التصديق . وإذا لم يجز منه تعالى أن يصدّق كذابا ، ولا أن يفعل ما ظاهره التصديق له ، فيجب القضاء بأنّ ما يتعلق بدعواه ، هذا التعلق ، ألّا يفعله تعالى إلا لوجه التصديق ، وإلا كان قبيحا موهما للفساد به .
فإن قال : إن التصديق إنما تعلّق بالدعوى ، لأنه موضوع على وجه لا ينفرد بنفسه ، ولا يحسن فعله إلا وقد تقدمه ما يكون تصديقا له وليس كذلك حال المعجز ؛ لأنه قد يفعل على طريق الابتداء / من غير دعوى تقدمت ، كما تقولون في ابتداء العادة ، وفي نقض العادات عند زوال التكليف . فكيف يصح حمله على التصديق ؟
قيل له : إن الحال في المعجز ، وإن كان كما ذكرته ، فمتى حصل فيه ، بتقدم الدعوى والطلب ، ما يجرى مجرى المواضعة ، فلا بدّ من أن يحل محل التصديق ، كما يحل وضع زيد يده على رأسه ، عند ادعاء رسوله إلى عمرو أنه رسوله ، وطلبه منه أن يدل على رسالته بذلك ، محلّ التصديق ، وإن كان قد يحسن منه أن يفعله ابتداء ، إذا لم تكن الحال هذه ، فكذلك القول في المعجز .
فإن قال : جوّزوا أنه تعالى يفعل ذلك لتشديد المحنة على المكلف ، كما يفعل تقوية الشهوة ، إلى غير ذلك .
هامش
( 1 ) في « ب » : « بضرب » .