فإن قال : أليس قد تجوزون ، في غير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أن يبلغ ، فيما يستحقه من قدر الثواب ، مبلغه ، فيجب ألّا يخص ؛ بهذه اللفظة ، الرسول ؟
قيل له : إنا كنا نجوّز ذلك من جهة العقل . فأما السمع فقد منع من ذلك . فيجب ، كما دل على أن هذه المزية لا تحصل إلا للرسول أن يدل على أن الاسم المفيد لها لا يحصل إلا له .
فإن قال : كيف يصح ألّا تحصل هذه المزية إلا له ؟ وهل ذلك إلا بمنزلة من يقول في مزية الكفر إنها لا تحصل إلا الكافر مخصوص ؟
قيل له : قد ثبت بالسمع أن الّذي تستحق به هذه المنزلة لا يكون إلا فعلا مخصوصا يقع من الرسول ، فلا يصح أن يقع إلّا منه ، أو الطاعات الكثيرة التي لا تجتمع في هذه الأعمار . وإذا كان هذا الثاني متعذرا لم يبق إلّا الوجه الأول ؛ لأنه ، إذا قبل الرسالة ، وتكفل بأدائها ، والصبر على عوارضها ، استحق هذه المنزلة ، خصوصا إذا اقترن به عظم موقعه بكثرة ما عليه من الاقتداء والتأسّى ، والاستجابة ، والدخول في الدعوة .
وسنبين تمام ذلك في باب الوعيد .
فإذا صح ذلك ثبت أن هذا الاسم ، بالتعارف ، يختص الأنبياء عليهم السلام . ولا فرق بين أن يكونوا من البشر أو من الملائكة في هذا الوجه / فلذلك يستحق جبريل ، صلوات اللّه عليه ، وغيره ، هذا الاسم ، كما يستحقه سائر الأنبياء ، وإن كان جميع الملائكة ، عليهم السلام ، من الرسل ، فالكلام « 1 » مستمر ، وإن تميز بعضهم من بعض . فمن حيث يتبين لنا الحال في ذلك لم يدخل تحت تكليفنا هذا الضرب من التمييز ، فلا كلام علينا فيه ، وإن كنا نقول ، في الملائكة أجمعين ، إن فضلهم كفضل الأنبياء عليهم السلام ؛ بل أزيد .
ولهذه الجملة قال شيوخنا ، رحمهم اللّه ، في النبوة إنها جزاء على عمل ، ففصلوا بينها وبين الرسالة ، من حيث كان المستفاد بها الرفعة ، التي هي جزاء عمله . ولذلك قالوا : إنها مستحقة ، دون الرسالة ، وهو قدر التعظيم والثواب ، وليس كذلك الرسالة .
ونحن نبين ذلك من بعد .
هامش
( 1 ) في الأصل : « بالكلام » .