صلى اللّه عليه ، عرف من الأعرابي أن مقصده بهذا القول المدح ، فأنكر عليه هذا الضرب من النكير ، وإن لم يكن إنكارا ، من حيث اللغة وصلاح نفس اللفظة . وهذا كما ننكر استعمال لفظة الصلاة بالإطلاق ، على الطريقة الأولى في اللغة ، لمّا كانت منقولة عن بابها ، واستعمالها في الوجه الأول يوهم ، فكذلك القول في هذه اللفظة ؛ بل هذه اللفظة أولى أن تستعمل على طريقة اللغة ؛ لأنها غير منقولة ، وإن كانت تشتبه بالمنقول ؛ لأنها ، مع الهمز ، في حكم لفظة سواها .
وعلى هذا الوجه ، قال تعالى ، في قصة بعض أزواج رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، :
« من أنبأك هذا » « 1 » . ولا يصح من ذلك إلا قولنا نبىء بالهمز . ولكنه ، صلى اللّه عليه ، علّمهم ، عن اللّه تعالى ، أن يصفوه بأشرف الصفات ، وأقر بها إلى الرفعة والجلالة ، وإلى التعظيم الّذي يستحقه ، وأبعدها عن خلافه ، كما علّمنا اللّه تعالى تشريفه ، عند الذكر ، بذكر الصلوات والرحمة . وذلك صحيح فيما يجب أن يستعمل ، وإن كان لا يطعن في جواز الوجه الآخر في اللغة ، كما لا يطعن في ذلك تسميته ، صلى اللّه عليه ، بأسماء الأعلام والألقاب .
فإن قال : ومن أين أن هذه اللفظة تفيد الرفعة فقط ؟
قيل له : لعلمنا بأنها لا تستعمل في كل رفيع من الصالحين من المؤمنين ، وإنما هي مستعملة فيمن يختص بمثل رفعة الأنبياء عليهم السلام ، ولا يعقل ، عند الظاهر منها ، إلا ذلك . فالواجب فيها أن تكون منقولة عن عمومها في اللغة إلى هذا الاختصاص .
ولأنها في اللغة لا تفيد الرفعة في أمر الآخرة والثواب ، ومن جهة التعارف تفيد هذا الوجه ، فالواجب أن تكون بمنزلة سائر الأسماء الشرعية .
فإن قال : فأنتم تقولون ، في الأسماء الشرعية ، إنها صارت منقولة ؛ لأنها تفيد أمرا معلوما من جهة الشرع ، ولا يتأتى ذلك في هذه اللفظة .
قيل له : يتأتى فيها ما ذكرته لأن بالسمع ، يعلم ما يختص به الرسول من هذه الرتبة ، وأن غيره من المؤمنين لا يشاركه فيها ، ولا من الصالحين .
هامش
( 1 ) سورة التحريم ، آية 3 .